بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

كان اسمه اليمن السعيد

عشت أربع سنوات من طفولتى فى صنعاء. كان والدى أستاذا بجامعتها واصطحبنا معه. عشقنا طبيعتها الخلابة، راق لنا طقسها الرائع، وأسرتنا طيبة أهلها اللافتة. كُنا صغارا عندما تعلمنا فى المدارس أن اليمن سُمى يمنا من اليُمن والبركة والخيرالكثير.

أدركنا أيضا سر شيوع مصطلح «اليمن السعيد» توصيفا لهذه الأرض الخصبة، ومروجها الساحرة، وناسها الساكنين الهادئين البعيدين تماما عن الصراعات الطائفية، والصدامات الأيدولوجية. كان كُل شىء جميلا وهادئا، فبدت لنا هذه البلاد ساحة إلهام وأرض استجمام ومركز نقاهة.لم يتصور أحد أبدا أن تعصف بها رياح الحرب الأهلية الطاحنة كل هذه السنوات فتتحول إلى جحيم، ويصبح بنوها مشردين ولاجئين.

تذكرت اليمن وصنعاء وجبالها الشامخة وجمالها الأخاذ، وأنا أستكشف نصوصا جميلة لشاعر يمنى فذ اسمه قيس عبد المغني، من مواليد 1982، له ثلاثة دواوين شعرية تُعبر عما فعلته الثورة العمياء فى مُجتمعه ضئيل الحظ من التعليم.

لقد عصف الربيع العربى بالخارطة، فغير حكومات وسحق مستبدين، لكنه سفح دماءً لا حصر لها، وقسّم مُجتمعات توهمنا يوما أن كلا منها نسيج وحده.كان غياب الوعي، وضعف التعليم، ورخاوة المؤسسات سببا فى هلاك دول وتشرد شعوب، وكان اليمن المثال الصارخ على عبثية التغيير فى المجتمعات التى تفتقر للعلم والوعى وسيادة القانون.

يقول الشاعر قيس عبد المغنى حاكيا عما فعلته الحرب ببلاده «لقد كُنت مُدرسا للرياضيات/ ثم جاءت الحرب/ وسقطت الطبشورة من بين أصابعي/ نزحت المعادلات وتشردت الأرقام وتفرقت المصفوفات والقوانين المهيبة/ رأيت بنفسى جدول الضرب يضع حقائب كبيرة فى صندوق سيارة أجرة ويختفى معها/ كنت مُدرسا نشطا للرياضيات/ واليوم وبعد مرور خمسة وعشرين ألف جثة على بداية الحرب/ ذهبت إلى المدرسة لأول مرة / تسلقت ركامها بمشقة/ وصعدت على ظهر حصتى الأخيرة/ من هناك وقفت أراقب كتلميذ/ سربا آخر من الأعداد الطبيعية المهاجرة نحو المشافى والمقابر».

وهو لا يرى سوى الموت محورا ودافعا لشعره، فيقول واصفا ما حدث ويحدث: «أريد أن أخبر العالم بأننى بخير/ لكن لا أملك أية أدلة».

ويكتب قيس فى ألم:

«حين تصل إلى قبرك بسلام/ سيسألك كبار الموتى عن سر مجيئك الباكر/ قل لهم: ثرنا مع الثائرين/ هدمنا السجن فدسوا لنا السم فى الحرية/ أو قل: خراف كسرنا سياج الظلم فى عقر غابة/ قل: أصبت بفتوى كاتمة للصوت وأنا أؤدى فى سبيل الحب صلاة وأغنية/ قل:- محض موت ليس إلا/ أو قل:- أنا يمني/إن خانتك الإجابة».

ثورة اليمن انتهت حربا أهلية، لعبت فيها كثير من الأمم مباريات مثيرة، وضعت كل قوة يدا فى الثوب المُهترئ لتزيده تمزيقا، تشتت الناس، اقتتلوا، وبعد عقد ونصف على مسيرة الحرية، استحالت الحياة، فر مَن فر، تيتم مَن تيّتم، انقطع الخير، ولم يعد اليمن سعيدا، ولا يمنا.

وتلك مأساة الأوطان التى تتوق إلى الأفضل استنادا إلى التغيير بالقوة لا بالتربية والعلم وبناء الفرد. وهو درس مُهم فى خارطتنا العربية.

والله أعلم.

 

[email protected]