بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على طريقة "التجربة الدنماركية".. واقعة الشيشة بمركز شباب شما تفتح ملف الرقابة

بوابة الوفد الإلكترونية

 هناك مشاهد سينمائية تبدو للوهلة الأولى مبالغات كوميدية، ولكنها تكتسب معنى مختلفًا عندما يجد المشاهد نفسه أمام واقعة حقيقية تحمل بعض تفاصيلها. 


  وفي أحد مشاهد فيلم “التجربة الدنماركية” للزعيم عادل إمام، تأليف الكاتب الساخر يوسف معاطي الذي تم عرضه عام 2003، يدخل الوزير إلى مركز شباب متوقعًا أن يجد ملاعب وأنشطة رياضية وثقافية، ثم يفاجأ بأجواء أقرب إلى المقاهي، وشيشة وجلسات للترفيه بعيدًا عن الهدف الذي أُنشئت من أجله هذه المنشآت.


 هذا التصور الدرامي الذي يمكن تخيله في مشهد كوميدي لوزير الشباب والرياضة خلال جولة مفاجئة، يشبه بشكل كبير ما حدث بالفعل داخل مركز شباب شما بمحافظة المنوفية في واقعة حقيقية تفتح الباب لمناقشة القضية نفسها: 
 كيف وصل الحال بمنشأة شبابية إلى هذا الحد من اللا مبالاه؟ وأين كانت الرقابة قبل انتشار الواقعة؟ وهل يكفي إغلاق الكافتيريا وإحالة المسؤولين إلى التحقيق لمنع تكرار المشهد في مراكز أخرى؟


 تفاصيل صادمة كشفها بيان رسمي لوزارة الشباب والرياضة، أعلنت فيه عن اتخاذ إجراءات بشأن واقعة تناول الشيشة داخل مركز شباب شما بمحافظة المنوفية، بعد تداول الواقعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


 وبحسب البيان أجرت الإدارة المركزية لمراكز الشباب متابعة ميدانية للتحقق من حقيقة ما جرى، وانتهت إلى التأكد من صحة الواقعة وتقرر غلق الكافتيريا داخل المركز، واتخاذ الإجراءات اللازمة، وإحالة المدير التنفيذي للمركز والعاملين المتغيبين عن العمل إلى التحقيق، إلى جانب إحالة مدير الإدارة الفرعية للشباب والرياضة بأشمون للتحقيق، بهدف الوقوف على الملابسات وتحديد المسؤوليات.


 اللافت في هذه الواقعة أن التحرك الرسمي جاء بعد انتشار الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يفتح باب التساؤل حول طبيعة الرقابة السابقة على المنشأة، وما إذا كانت المخالفة قد رصدت خلال عمليات التفتيش المعتادة أم لم تظهر إلا بعد تداولها وانتشارها.


 قد يبدو إغلاق كافتيريا إجراء إداريًا محدودًا، لكن المسألة في حقيقتها ترتبط بوظيفة مراكز الشباب نفسها فهذه المنشآت ليست مجرد مباني تضم ملاعب أو مرافق خدمية، بل يفترض أن توفر بيئة منظمة لممارسة الرياضة والأنشطة الثقافية والاجتماعية، وأن تساعد على استثمار أوقات فراغ الشباب في أنشطة مفيدة.


 وعندما تظهر مخالفة من هذا النوع داخل إحدى المنشآت، يصبح السؤال متعلقًا بكيفية السماح بحدوثها، ومدى كفاءة منظومة الإشراف، ووجود متابعة حقيقية للمرافق التي تعمل داخل المركز.
 ولا يعني ذلك أن جميع مراكز الشباب تعاني المشكلة نفسها، أو أن واقعة شما تمثل دليلًا على انتشار الشيشة في المنشآت الشبابية عموما ولكن الواقعة تكفي لطرح أسئلة ضرورية حول كفاءة الرقابة والإجراءات التي تمنع تكرار المخالفات.


 والفارق هنا بين التعامل مع المخالفة بعد وقوعها، ومنعها قبل حدوثها، هو الفارق بين إدارة تستجيب للأزمات ومنظومة رقابية تعمل بصورة استباقية.


 وفي الوقت نفسه، فإن ظهور وقائع من هذا النوع يستدعي أن تكون الرقابة قادرة على اكتشاف المخالفات والتحقق منها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على بلاغات المواطنين أو انتشار المحتوى عبر الإنترنت.


 ولا تتوقف المسألة عند قواعد الانضباط الإداري، فهناك نص قانوني ينظم حظر التدخين داخل مراكز الشباب وفق المادة السادسة مكرر (3) من قانون الوقاية من أضرار التدخين رقم 52 لسنة 1981.


 وتعني هذه القواعد أن مسؤولية إدارة مركز الشباب لا تقتصر على تنظيم الأنشطة أو الإشراف على العاملين، بل تشمل اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع التدخين داخل المنشأة.


أين تبدأ مسؤولية وزارة الشباب والرياضة؟
 تبدأ المسؤولية الرقابية من وضع قواعد واضحة لإدارة مراكز الشباب، وتحديد واجبات المسؤولين عن المنشآت، ومتابعة تنفيذ التعليمات، والتحقق من التزام المرافق الملحقة بها بشروط التشغيل.


 وفي واقعة شما، أعلنت الوزارة تحرك الإدارة المركزية لمراكز الشباب، وإحالة مسؤولين إلى التحقيق، وتفقد مراكز أخرى في المحافظة وهذه الإجراءات تمثل استجابة إدارية مهمة، لكن تقييم فاعليتها على المدى الطويل يتوقف على ما ستسفر عنه التحقيقات، وما إذا كانت ستُتخذ تدابير تحول دون تكرار المخالفة.


 ومن هنا، فإن دور الوزارة لا ينبغي أن يقتصر على إصدار قرارات الغلق والإحالة للتحقيق بعد انتشار الواقعة، بل يمتد إلى التأكد من وجود نظام رقابي منتظم يشمل جميع مراكز الشباب مع تحديد المسؤوليات بوضوح، وتوثيق نتائج التفتيش ومراجعة أوجه القصور عند اكتشافها.


 وتحتاج هذه المنظومة أيضًا إلى التمييز بين مسؤولية المدير التنفيذي للمركز، ومسؤولية الإدارة الإشرافية الأعلى، ومسؤولية القائمين على تشغيل الكافتيريا، وفق ما تثبته التحقيقات والعقود واللوائح ذات الصلة.


 فالمحاسبة الفعالة لا تقوم على تعدد قرارات الإحالة وحده، وإنما على تحديد موضع الخلل ومساءلة المسؤول عنه ومعالجة الأسباب التي سمحت بحدوث المخالفة.


 واقعة مركز شباب شما تضع أمام وزارة الشباب والرياضة اختبارًا أكثر جدية من المشهد الدرامي في الفيلم وهو هل يمكن تحويل التحرك السريع الذي أعقب انتشار الواقعة إلى نظام رقابي مستمر، يمنع المخالفات ويكشفها مبكرا، ويحدد المسؤوليات بناء على الأدلة؟


 القضية لا تتعلق بكافتيريا واحدة فقط، ولا تعني أن جميع مراكز الشباب تعاني المشكلة ذاتها، لكنها تبرز أهمية حماية وظيفة هذه المنشآت، وضمان التزام إدارتها والعاملين بها بالقانون والتعليمات المنظمة.


 فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الكافتيريات التي تغلق أو التحقيقات التي تفتح، وإنما بمدى قدرة منظومة الرقابة على اكتشاف الخلل قبل أن يصبح أزمة عامة وبمدى جدية المحاسبة ووضوح النتائج واستمرار المتابعة.


 وعندما تصبح الجولات المفاجئة جزءًا من منظومة دائمة لا مجرد تحرك بعد تداول مقطع على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن وقتها أن تقترب مراكز الشباب من الدور الذي أُنشئت من أجله وهو توفير بيئة آمنة ومنضبطة لممارسة الرياضة والثقافة والأنشطة الاجتماعية وخدمة النشء والشباب والمجتمع.