بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بطولة موسمية ترتدي ثوب المصلحة

 

محمد خضر

الزمن وحده كفيل بأن يعرّي الدوافع، ويسقط الأقنعة، ويكشف الفارق بين من يحمل همَّ الإصلاح، ومن يتخذه ستارًا لمطامع لم تتحقق. وحين تتكشف الحقائق، ندرك أن بعض البطولات لم تكن يومًا من أجل المبادئ، وإنما مجرد رد فعل على باب أُغلق، أو مقعد ضاع، أو طموح ذهب في مهب الريح، أو سبوبة "لا راحت ولا جت"!

فليس كل من انتقد مسىٔولًا أو أوضاعًا أو مواقف ناقدًا حقيقيًّا، وليس كل من رفع صوته في وجه المسىٔولين شجاعًا يقف على عتبات الحق، كما أن المعارضة وحدها لا تمنح صاحبها صك النزاهة والشفافية.

هناك فارق شاسع بين نقد ينطلق من الحرص على المصلحة العامة، وصون كرامة الوطن والمواطن، والسعي إلى تصحيح الأوضاع، ونقد آخر تحركه مصالح خاصة، ولا يعني صاحبه إلا طريق يقوده إلى مكسب شخصي. هنا يتحول النقد إلى تجارة رابحة في سوق الشعارات، وما أكثر تجارها!

لا مشكلة في أن تختلف مع المسىٔولين، أو تعترض على قرار، أو تكشف خطأً، أو تطالب بتصحيح وضع مختل؛ فهذا حق مشروع، وواجب تفرضه المسىٔولية. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى وسيلة للضغط، ويصبح النقد أداة للابتزاز، وتُستدعى المبادئ من الأدراج كلما تعثرت مصلحة، أو ضاعت فرصة، أو أفلت من اليد منصب كان صاحبه يظن أنه أقرب إليه من غيره.

هنا نكون أمام حسابات شخصية تحاول ارتداء ثوب المصلحة العامة، وخصومة تبحث عن شرعية أخلاقية لمجرد أنها اتخذت من الاعتراض عنوانًا لها.

والغريب أن بعض الذين يرفعون راية الإصلاح لا يبحثون عن إصلاح حقيقي بقدر ما يبحثون عن مكان تحت الأضواء. فإذا جاءت القرارات على هوى مصالحهم، هدأت أصواتهم وأصبحوا أكثر تفهمًا وتأييدًا، وإذا جاءت على غير ما يشتهون تبدلت النبرة واستيقظت حميتهم فجأة وارتدوا عباءة المدافعين عن الحق!

وهنا سؤال يفرض نفسه: هل تغيرت المواقف لأن الحقائق تغيرت، أم لأن المصالح تبدلت؟ وهل كان الاعتراض من أجل المبدأ، أم أن المبدأ لم يظهر إلا بعد ضياع المكسب؟
إن ما يفعله بعض هؤلاء ليس إلا بطولة موسمية.. تشتعل حين تضيع المصلحة، وتتلاشى حين تقترب المكاسب، وكأن المبادئ عندهم مواقف مؤقتة، لا قناعات راسخة.

يا سادة، الناقد الحقيقي لا يحتاج إلى مكافأة كي يقول الحقيقة، ولا يبدّل موقفه بتبدل موقعه، ولا يقيس القرارات بمقدار ما تمنحه من امتيازات. إنه صاحب مبدأ يحتكم إلى الحجة والدليل، ولا يحمل في ذاكرته حسابات قديمة ينتظر الفرصة لتصفيتها.

والأخطر من أصحاب المصالح أولئك الذين يمنحون أنفسهم سلطة أخلاقية لا يملكها أحد لنفسه، ويتحدثون كما لو كانوا أوصياء على الحقيقة وحراسًا للفضيلة، بينما تكشف مواقفهم المتناقضة أن ما يقولونه أبعد ما يكون عما يفعلون.

ومن حقنا أن نسأل هؤلاء: أين كانت مواقفكم حين امتلكتم القدرة على التغيير؟ وماذا قدمتم حين كانت الفرصة بين أيديكم؟ وهل تطبقون على أنفسكم المعايير نفسها التي تحاكمون بها الآخرين، أم أن المحاسبة عندكم حق للناس وامتياز لأنفسكم؟

إن من يطالب الآخرين بالنزاهة والشفافية، عليه أن يقبل أن تُوزن مواقفه بالمعايير نفسها، وأن يدرك أن ارتفاع الصوت لا يصنع حقيقة، وأن كثرة الاتهامات لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة.
ومع ذلك، فإنني مقتنع تمامًا بأن النقد الرشيد ضرورة للتصحيح ومراجعة القرارات، وحماية المؤسسات من الجمود والانفراد بالرأي. فالنقد ليس خصومة في حد ذاته، والمعارضة ليست تهمة، والاختلاف لا ينتقص من أحد ما دام يستند إلى الحجة ويحترم الحقيقة.
غير أن للنقد أخلاقًا، وللكلمة وزنًا لا تمنحه نبرة الصوت المرتفعة وإنما تمنحه الحجة والدليل والإنصاف. كما أن الحكم على المواقف لا ينبغي أن يقوم على النوايا وحدها، بل على الوقائع، واتساق المواقف، ومدى التزام أصحابها بالمعايير التي يطالبون الآخرين باحترامها.
فالنقد الصادق تحيا به الأمم وتتطور، والمؤسسات التي تسمع النقد وتصحح أخطاءها أكثر قدرة على الاستمرار من تلك التي تخشى الاختلاف أو تعتبر كل اعتراض خصومة. لكنها تتضرر حين تتصدر المصالح الشخصية المشهد، ويتراجع أصحاب الكفاءة والرؤية أمام من يجيدون تزييف الحقائق وتوزيع الاتهامات.
لذلك، لا تخافوا من النقد الحقيقي، ولا تتعاملوا مع كل اعتراض باعتباره خصومة، ولا تخلطوا بين المعارضة والنزاهة، ولا تمنحوا أصحاب الأصوات المرتفعة صكوك البراءة لمجرد أنهم يرفعون شعارات الإصلاح. فالمبادئ لا تُقاس بما نرفعه من شعارات، وإنما بما نتمسك به حين تتعارض الحقيقة مع مصالحنا. أما البطولة التي لا تظهر إلا بعد ضياع المكاسب فهي مصلحة تبحث عن ثوب جديد.
أيها الناقدون طوال الليل وأطراف النهار.. أفيقوا يرحمكم الله!