بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الاستثمار في السيارات الكهربائية... هل يستطيع العالم العربي أن ينتقل من الاستهلاك إلى الصناعة؟

 

 

تمر صناعة السيارات العالمية بأكبر تحول تشهده منذ أكثر من قرن. فالمنافسة لم تعد تدور حول تطوير محرك أكثر كفاءة أو تصميم أكثر جاذبية، بل أصبحت تدور حول التكنولوجيا التي تقف خلف المركبة نفسها. فالبطاريات، والبرمجيات، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة الذاتية، أصبحت تمثل القيمة الحقيقية للصناعة، بينما تحول تصنيع السيارة إلى الحلقة الأخيرة في سلسلة صناعية وتقنية أكثر تعقيداً واتساعاً.
هذا التحول وإن كان يعيد رسم مستقبل صناعة السيارات إلا أنه في الأصل يعيد توزيع مراكز القوة الصناعية في العالم. فالصين أصبحت أكبر منتج ومصدر للسيارات الكهربائية، والولايات المتحدة وأوروبا تضخان مئات المليارات من الدولارات لإعادة بناء سلاسل الإمداد المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج، فيما تتسابق دول آسيوية أخرى على جذب مصانع البطاريات والإلكترونيات والمكونات المتقدمة. وهكذا لم تعد المنافسة على بيع السيارات، وإنما على امتلاك التكنولوجيا التي تجعل هذه الصناعة ممكنة.
وبحلول عام 2024 تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن 17 مليون مركبة، وهو ما يعادل أكثر من خمس إجمالي مبيعات السيارات الجديدة في العالم، بينما تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن هذه النسبة ستواصل الارتفاع خلال السنوات المقبلة مع انخفاض تكلفة البطاريات واتساع البنية التحتية للشحن. ولم يعد التحول نحو المركبات الكهربائية خيار بيئي، بل أصبح اتجاهاً صناعياً واستثمارياً تقوده اعتبارات الاقتصاد والتنافسية قبل أي شيء آخر.
وسط هذا التحول العالمي، يجد العالم العربي نفسه أمام فرصة تختلف عن الفرص الصناعية التي أضاعها في مراحل سابقة. فالمنطقة تمتلك رؤوس أموال كبيرة، وموارد طاقة وفيرة، وموقعاً جغرافياً يربط الأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية، كما تمتلك موانئ وشبكات لوجستية متطورة في عدد من الدول. لكن هذه المزايا، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء صناعة تنافس في واحدة من أكثر الصناعات تقدماً في العالم.
فالسيارات الكهربائية ليست صناعة ميكانيكية بالمعنى التقليدي. البطارية وحدها يقدر أن تمثل ما بين 30 و40% من قيمة السيارة، بينما تزداد مساهمة البرمجيات والإلكترونيات وأنظمة التحكم عاماً بعد آخر. ولهذا، فإن بناء مصنع لتجميع المركبات لا يعني بالضرورة امتلاك التكنولوجيا التي تقوم عليها الصناعة، تماماً كما أن استيراد خطوط الإنتاج لا يعني بناء قاعدة صناعية قادرة على الابتكار.
وهنا تكمن القضية الأساسية بالنسبة إلى العالم العربي. فالتاريخ الصناعي يبين أن كثيراً من الدول بدأت بالتجميع، لكنها لم تنتقل إلى التصنيع الحقيقي. وبقيت القيمة المضافة المرتفعة في الدول التي احتفظت بالتصميم والهندسة والبحث العلمي والبرمجيات والملكية الفكرية، بينما اقتصرت مساهمة الدول الأخرى على العمالة والتجميع والخدمات اللوجستية.
ولهذا، فإن المسألة الحقيقية لا تكمن في عدد مصانع السيارات الكهربائية التي يمكن إنشاؤها في المنطقة، وإنما بمقدار المعرفة الصناعية التي تستطيع هذه المصانع نقلها إلى الاقتصاد المحلي. فالمصنع قد يبدأ بالإنتاج خلال أشهر، لكن بناء المهندس، وتأسيس مراكز البحث، وتطوير الموردين المحليين، وإيجاد شركات وطنية تنتج المكونات، يحتاج إلى سنوات طويلة من الاستثمار المستمر.
وقد بدأت بعض الدول العربية بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه. فالمملكة العربية السعودية تستثمر في بناء صناعة متكاملة للسيارات الكهربائية من خلال مشاريع إنتاج محلية وشراكات مع شركات عالمية، إلى جانب تطوير سلاسل التوريد واستقطاب الاستثمارات الصناعية. كما تعمل دولة الإمارات على توسيع البنية التحتية للشحن وتشجيع استخدام المركبات الكهربائية، بينما تستثمر المغرب في صناعة السيارات ومكوناتها، مستفيدة من قربها من الأسواق الأوروبية، حتى أصبحت من أكبر منتجي السيارات في أفريقيا، وتسعى إلى توسيع حضورها في قطاع المركبات الكهربائية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه المبادرات لن يقاس بعدد السيارات المنتجة. فالقيمة الاقتصادية الحقيقية تتولد عندما تصبح الجامعات جزءاً من الصناعة، وعندما تنشأ شركات محلية لتصنيع المكونات، وتشارك مراكز البحث في تطوير البطاريات والبرمجيات، ويتمكن المورد المحلي من الدخول في سلاسل الإنتاج العالمية. فكلما ارتفعت نسبة المعرفة المنتجة داخل الاقتصاد، ارتفعت القيمة التي تبقى فيه.
وتشير التجربة الصينية إلى أن بناء هذه الصناعة لم يبدأ من المصانع، بل سبقه استثمار طويل في التعليم الهندسي، والبحث العلمي، والسياسات الصناعية، ودعم الشركات المحلية، وتطوير سلسلة إمداد متكاملة تبدأ من المواد الخام ولا تنتهي عند المستهلك. ولذلك لم تصبح الصين أكبر منتج للسيارات الكهربائية لأنها امتلكت مصانع أكثر، وإنما لأنها بنت منظومة صناعية كاملة حول هذه الصناعة.
ويمتلك العالم العربي عدداً من العناصر التي يمكن أن تمنحه موقعاً مهماً في هذه المنظومة العالمية. فالمنطقة تضم احتياطيات مهمة من الفوسفات والبوتاس والمعادن المستخدمة في الصناعات الكيميائية المرتبطة بالبطاريات، كما تمتلك بعض أفضل مواقع العالم لإنتاج الطاقة الشمسية، وهو ما يوفر كهرباء منخفضة الانبعاثات يمكن أن تصبح ميزة تنافسية في الصناعات المستقبلية. ويضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي الذي يجعل المنطقة نقطة اتصال طبيعية بين أهم أسواق السيارات في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
لكن هذه المزايا لن تتحول تلقائياً إلى صناعة متقدمة. فالقطاع يحتاج إلى مهندسين، ومبرمجين، ومتخصصين في الكيمياء وعلوم المواد والإلكترونيات الدقيقة، وإلى جامعات قادرة على إجراء البحوث التطبيقية، وشركات صغيرة ومتوسطة تنتج المكونات، ومؤسسات تمويل تستوعب المخاطر المرتبطة بالصناعات الجديدة. كما يحتاج إلى بيئة تنظيمية مستقرة تحمي المستثمر وتشجع الابتكار وتربط الصناعة بالبحث العلمي.
وتتجاوز المنافسة العالمية اليوم إنتاج السيارة نفسها. فالصراع الحقيقي يدور حول البطاريات، والرقائق الإلكترونية، وأنظمة التشغيل، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والمواد الخام. وكل حلقة من هذه الحلقات أصبحت صناعة مستقلة بمليارات الدولارات. ولذلك تستطيع بعض الدول أن تحقق مكاسب اقتصادية كبيرة حتى وإن لم تنتج سيارة واحدة، إذا تمكنت من التخصص في إحدى هذه الحلقات ذات القيمة المرتفعة.
ولهذا، قد يكون من الخطأ أن يركز العالم العربي على صناعة السيارة بوصفها الهدف النهائي. فالفرصة الأوسع ربما تكمن في بناء اقتصاد صناعي وتقني يشارك في سلسلة القيمة العالمية بأكثر من مدخل؛ من تطوير البرمجيات، وتصنيع المكونات، وإنتاج المواد المتقدمة، وإعادة تدوير البطاريات، إلى الخدمات اللوجستية والبحث والتطوير. فهذه الأنشطة أكثر استدامة، وأعلى قيمة، وأقل تعرضاً للمنافسة المباشرة مع الشركات العملاقة التي تهيمن على إنتاج المركبات.
في النهاية، قد لا تكون السيارات الكهربائية هي القضية بحد ذاتها، وإنما ما تمثله من تحول في قواعد الاقتصاد الصناعي. فكل ثورة صناعية تخلق رابحين وخاسرين، ولا يتحدد موقع الدول بحجم استثماراتها، بل بقدرتها على تحويل تلك الاستثمارات إلى معرفة وصناعة وابتكار. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصادات العربية في هذه المرحلة.