من جذب الاستثمارات إلى توطين الصناعة.. كيف تستفيد مصر من الانفتاح على آسيا؟
في ظل التغيرات المتلاحقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، واحتدام المنافسة بين الدول لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز قدراتها الإنتاجية، تسعى مصر إلى توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية مع الأسواق الآسيوية، والاستفادة من التجارب الصناعية والتكنولوجية للدول صاحبة الخبرات المتقدمة.
وتأتي الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، في إطار توجه يستهدف فتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتوطين التكنولوجيا الحديثة، بما يدعم خطط التنمية ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.
وتكتسب الجولة أهمية متزايدة في ضوء الإمكانات الاقتصادية والصناعية التي تتمتع بها الدول الثلاث، وما تمتلكه من خبرات في مجالات الإلكترونيات وصناعة السيارات والتكنولوجيا المتقدمة والصناعات التحويلية والبنية التحتية.
تطوير قاعدتها الإنتاجية
وتمثل هذه القطاعات فرصًا واعدة أمام مصر لتطوير قاعدتها الإنتاجية، خاصة مع ما يوفره موقعها الجغرافي من مزايا استراتيجية، إلى جانب الإمكانات التي تتيحها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لاستقطاب الشركات العالمية وإقامة مشروعات تستهدف السوق المحلية وأسواق التصدير.
ولا تقتصر المكاسب المنتظرة من تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول الآسيوية على زيادة حجم الاستثمارات أو تنشيط التبادل التجاري، بل تمتد إلى إمكانية نقل الخبرات الفنية والتكنولوجية، وتطوير الصناعات المحلية، وزيادة الاعتماد على المكونات المنتجة داخل مصر بدلًا من استيرادها.
كما يرتبط نجاح هذه الشراكات بمدى القدرة على تحويل الاتفاقيات والتفاهمات إلى مشروعات فعلية توفر فرص عمل جديدة، وتدعم الإنتاج والتصدير، وتفتح المجال أمام الشباب لاكتساب مهارات تتناسب مع احتياجات الصناعات الحديثة.
توطين التكنولوجيا
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، أن الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي تمثل تحركًا مهمًا لتعزيز الشراكات الاقتصادية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى مصر، مشيرًا إلى أن توطين التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي يأتيان ضمن أبرز المجالات التي يمكن أن تحقق فيها البلاد مكاسب ملموسة من التعاون مع كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا.
وأوضح البهواشي، أن الدول الثلاث تمتلك ناتجًا محليًا إجماليًا يتجاوز 44 تريليون دولار، وفقًا للأرقام التي استند إليها، وهو ما يعكس حجم الإمكانات الاقتصادية المتاحة للتعاون، ويفتح المجال أمام مصر لاستقطاب استثمارات أجنبية مباشرة، لا سيما في القطاعات الصناعية والتكنولوجية التي تحتاج إلى رؤوس أموال وخبرات متخصصة.
وأضاف أن التفاهمات مع الشركات ورجال الأعمال في الدول الثلاث تستهدف توسيع مجالات التعاون في الأنشطة الإنتاجية والصناعية، مؤكدًا أهمية تيسير الإجراءات أمام المستثمرين وتبسيط المعاملات الإدارية، بما يساعد على تسريع تنفيذ المشروعات، وتحسين كفاءة توظيف الاستثمارات، وتحويل الاتفاقيات المبرمة إلى مشروعات تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
فرصة لتعزيز الاستثمارات الآسيوية
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل إحدى أهم الركائز التي يمكن لمصر الاعتماد عليها في جذب الاستثمارات الآسيوية، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي واتصالها بممرات التجارة العالمية، بما يمنح الشركات الأجنبية فرصة لإقامة مراكز إنتاج وتصدير تخدم الأسواق المصرية والعربية والأفريقية والأوروبية.
وأوضح أن العلاقات الاقتصادية بين مصر وماليزيا تشمل حجم تبادل تجاري يقترب من نصف مليار دولار، إلى جانب استثمارات مشتركة في قطاعات، من بينها إسالة الغاز والصناعات الغذائية والزيوت، لافتًا إلى أن هذه المجالات توفر قاعدة مناسبة لتوسيع التعاون الاقتصادي وزيادة حجم الاستثمارات المتبادلة خلال الفترة المقبلة.
وأكد البهواشي أن أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لا تقتصر على جذب رؤوس الأموال، بل تشمل استقطاب الشركات ذات الخبرات الصناعية المتقدمة، وتشجيعها على إنشاء مصانع ومشروعات إنتاجية داخل مصر، بما يسهم في زيادة الصادرات، وخلق فرص عمل، وتعزيز مشاركة الاقتصاد المصري في سلاسل الإمداد والإنتاج العالمية.
ولفت إلى أن تعظيم الاستفادة من هذه الفرص يتطلب استمرار تطوير البنية التحتية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتيسير الإجراءات الخاصة بتأسيس المشروعات وتشغيلها، بما يعزز قدرة مصر على المنافسة في جذب الشركات الدولية، ويضمن تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة من الاستثمارات الجديدة.
خريطة الفرص الصناعية
وأوضح البهواشي أن مجالات التعاون المحتملة تختلف وفقًا للمزايا التنافسية التي تتمتع بها كل دولة، مشيرًا إلى أن كوريا الجنوبية تمتلك خبرات متقدمة في صناعة الإلكترونيات والأجهزة المنزلية وتجميع السيارات، وهي قطاعات يمكن أن تتيح فرصًا مهمة أمام مصر لتطوير قدراتها الصناعية والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.
وأضاف أن توسيع التعاون مع الشركات الكورية قد يسهم في رفع كفاءة الإنتاج المحلي وتطوير أساليب التصنيع، إلى جانب نقل الخبرات الفنية وتأهيل العمالة المصرية، بما يساعد على بناء قاعدة صناعية أكثر تطورًا وقدرة على تلبية احتياجات السوق المحلية والتوسع في التصدير.
وفيما يتعلق بماليزيا، أشار الخبير الاقتصادي إلى تميزها في مجالات الصناعات الغذائية والزيوت ومشروعات البنية التحتية، موضحًا أن هذه القطاعات تتيح فرصًا لتوسيع الاستثمارات المشتركة، وتطوير الصناعات التحويلية، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المحلية، فضلًا عن تعزيز التبادل التجاري بين البلدين.
أما إندونيسيا، فتتمتع بفرص تعاون في الصناعات الغذائية والتحويلية والمنتجات الزراعية، بما يتيح إمكانية إقامة مشروعات مشتركة تستفيد من الموارد المتاحة في البلدين، وتدعم تنويع الإنتاج، وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات المصرية.
وشدد البهواشي على أن تنوع المجالات الاقتصادية لدى الدول الثلاث يمنح مصر فرصة لتوسيع قاعدة شراكاتها الاستثمارية، والاستفادة من الخبرات الآسيوية في قطاعات مختلفة، بدلًا من حصر التعاون في مجالات محدودة، بما يعزز الإنتاج المحلي ويدعم خطط التنمية الصناعية.
توطين التكنولوجيا
وأكد الخبير الاقتصادي أن القيمة الحقيقية للشراكات الاستثمارية لا تقاس فقط بحجم الأموال التي تضخها الشركات الأجنبية، وإنما بقدرتها على إحداث تطور ملموس في الصناعة المصرية، من خلال نقل التكنولوجيا، وزيادة المكون المحلي، وتطوير القدرات الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات التي تمتلك مصر فرصًا حقيقية لتوطين صناعاتها.
وأضاف أن التوسع في التصنيع المحلي يسهم في زيادة القيمة المضافة للمنتجات، ويدعم نمو الشركات المصرية، ويمنحها فرصًا أكبر للمشاركة في سلاسل التوريد الخاصة بالمشروعات الجديدة، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على الإنتاج والصادرات والنشاط الاقتصادي بوجه عام.
وأشار إلى أن توطين الصناعة يمثل كذلك مدخلًا لتطوير قدرات الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات الخارجية، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر النمو، بما يقلل من الاعتماد على الأسواق الخارجية في توفير بعض السلع والمكونات الصناعية.
فرص عمل للشباب
ولفت البهواشي إلى أن الشراكات الاقتصادية مع الدول الآسيوية يمكن أن تسهم في توفير فرص عمل جديدة للشباب، خاصة مع التوسع في إقامة المشروعات الصناعية والتكنولوجية التي تحتاج إلى كوادر فنية مؤهلة، مؤكدًا أهمية ربط التعليم الفني والتدريب المهني بالاحتياجات الفعلية للمستثمرين وسوق العمل.
وأوضح أن تأهيل العمالة وتطوير مهاراتها يمثلان عنصرين أساسيين لضمان نجاح الاستثمارات الجديدة، إذ لا تتوقف الاستفادة من المشروعات على توفير الوظائف، بل تمتد إلى نقل الخبرات، ورفع إنتاجية العاملين، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع التقنيات الحديثة ومتطلبات التصنيع المتقدم.
وأكد أن تحقيق أقصى استفادة من التعاون مع كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا يتطلب تكامل الجهود بين الجهات المعنية بالاستثمار والصناعة والتعليم والتدريب، بما يضمن توفير الكفاءات اللازمة لتشغيل المشروعات الجديدة وتحقيق أهدافها الإنتاجية.
واختتم البهواشي بالإشارة إلى أن الجولة الآسيوية للرئيس السيسي تتيح فرصًا لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع أسواق تتمتع بإمكانات صناعية وتكنولوجية كبيرة، مؤكدًا أن التحدي الأساسي يتمثل في ترجمة التفاهمات إلى استثمارات ومشروعات قائمة على أرض الواقع.