الزراعة فى بر مصر
فى مصر هناك نوعان من الفلاحين مزارع يروى أرضه بالشادوف وآخر يروى بالبيفوت، وكل منهما له متطلبات ومشاكل، فبين دلتا خضراء ينهكها تفتيت الحيازات التاريخى، وصحراء شاسعة تعانق الأفق المفتوح فى الوادى الجديد وشرق العوينات والفرافرة، يقف القطاع الزراعى المصرى على طرفى نقيض. فى الوادى القديم، يصارع الفلاح الصغير مساحات ضيقة تقاس بالقيراط، بينما تخوض الشركات الكبرى فى العمق الصحراوى مغامرة الاستصلاح باستثمارات بالمليارات ومساحات تمتد لآلاف الأفدنة. ورغم الاختلاف الشاسع فى الإمكانيات وطبيعة التحديات، يجمع الطرفين هدف وطنى واقتصادى واحد هو تأمين الغذاء، رفع كفاءة الإنتاج، وتحقيق ربحية عادلة تضمن الاستدامة.
تُعانى أراضى الدلتا من سرطان تفتيت الحيازات الزراعية الذى أفرزه تتابع المواريث عبر العقود حيث تجزأت الأراضى ذات الرقع الموحدة إلى مساحات صغرى ومشتتة. هذا التفتيت منع استخدام الميكنة الثقيلة، ورفع التكاليف التشغيلية على الفلاح الصغير، وفتح الباب واسعًا أمام احتكار وسيطرة الوسطاء والسماسرة على أسعار المستلزمات والحاصلات.
ولتجاوز هذه العقبات الهيكلية، تتجسد الحلول العملية والمباشرة فى إعادة التجميعات الزراعية الموحدة وتنظيم الحيازات المجاورة لتطبيق دورة زراعية واحدة وتجميع مساحات المحاصيل الإستراتيجية، ما يعيد للجمعيات الزراعية دورها الإرشادى والخدمى فى الشراء المجمع للمستلزمات بأسعار مناسبة، والتسويق الجماعى للمنتجات وإطلاق منصات رقمية حديثة تربط الفلاح مباشرة بأسواق التجزئة والمستهلك للحد من فجوة الأسعار، مع إتاحة قروض ميسرة لشراء معدات حديثة خفيفة ومملوكة بشكل مشترك بين المزارعين.
على الطرف الآخر تملك الشركات الزراعية الكبرى تقنيات الرى المحورى البيفوت ونظم الزراعة الذكية، لكنها تصطدم بعقبات تشغيلية ولوجستية حادة تهدد جدواها الاقتصادية هناك أعباء الطاقة واللوجستيات، حيث إن سحب المياه الجوفية من الطبقات العميقة يلتهم الميزانيات التشغيلية بسبب تكاليف الكهرباء والديزل، يضاف إليها كُلفة نقل المحاصيل عبر مسافات شاسعة تصل لآلاف الكيلومترات إلى الموانئ والمحافظات المركزية.
ونجد أيضًا غياب المعامل المرجعية المعتمدة لاختبارات التربة ومتبقيات المبيدات محليًا ما يضطر الشركات لقطع مسافات طويلة لتأكيد عينات التصدير، يرافقه انعدام ثلاجات حفظ وتبريد المنتجات بمواقع الحصاد، مع نقص الإسعاف والمستشفيات والخدمات الصحية المجهزة لرعاية آلاف العاملين والكوادر فى عمق الصحراء واعتماد معظم الشركات على تسويق المحاصيل بصورتها النية الخام دون تصنيع أو تجفيف، مع إهمال التكامل الاستراتيجى مع مشروعات الإنتاج الحيوانى الملائمة للبيئة الصحراوية.
إن حماية الاستثمارات المليارية فى الصحراء وتأمين كفاءتها يتطلب خطوات تنفيذه عاجلة وقابلة للتطبيق فورًا مثل إنشاء مجمعات تبريد، ثلاجات حفظ وتبريد حديثة بمواقع الإنتاج لمنع تلف المحاصيل، والتوسع فى مشاريع التجفيف والتعبئة لرفع القيمة المضافة، مع إقامة مجمعات إنتاج حيوانى متكاملة تستهدف سلالات الأغنام البرقى والماشية الملائمة للبيئة الصحراوية تعتمد على المخلفات الزراعية والأعلاف البديلة لتقليل الهدر وتوفير البروتين وإقامة معامل مرجعية معتمدة لفحص التربة والمتبقيات بمناطق الإنتاج لإصدار شهادات التصدير فورًا، مع بناء مستشفيات ميدانية ومراكز طبية توفر الرعاية الصحية الكاملة للعاملين وتضمن استقرارهم والتحول لمحطات الطاقة الشمسية الضخمة لتقليل التكاليف التشغيلية، ومد خطوط سكة حديد متخصصة للبضائع تربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق المباشرة.
كلمة أخيرة تقتضى المصلحة الوطنية إيجاد استراتيجية زراعية مزدوجة؛ تحمى الفلاح الصغير فى الدلتا باعتباره ركيزة الأمن الغذائى اليومى، وتدعم الشركات الكبرى فى الصحراء بسلاسل التبريد والتصنيع التحويلى والتكامل الحيوانى لتكون رأس حربة التصدير والأمن الغذائى القومى.