بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من جنوب أفريقيا إلى غزة: العدالة تحمل اسم نافى بيلاى

فى مكتبة جامعة ناتال، طالبة تقرأ محاضر محاكمات نورمبرغ. خارجها، كان الفصل العنصرى يحدد أين تتعلم وتسكن، وأى الأبواب تطرق. وأمامها، كان قادة يُحاسَبون على جرائم ظنّوا أن السلطة تحميهم من عقابها. بين واقعها والصفحات انفتح سؤال سيلازمها: كيف يصبح القانون سندًا للمظلوم، بعد أن كان أداةً فى يد الظالم؟
كانت تلك الطالبة نافى بيلاى، ابنة سائق حافلة من حى فقير فى ديربان، من أسرة هندية الأصل. وفى التاسع من أكتوبر 2026، منحتها لجنة نوبل النرويجية جائزة السلام لجهودها فى تعزيز السلام والقانون الدولى. عبرت من التمييز إلى القضاء، وفى ذاكرتها وجه الإنسان المنتظر للعدالة.
وتذكر مجلة «هارفارد جازيت» فى عددها بتاريخ 9-10-2026، أنّ بيلاى دافعت، محاميةً، عن مناهضى الفصل العنصرى والنساء المعنَّفات. وطوال ثمانية وعشرين عامًا، حُرمت من دخول غرف القضاة بسبب تصنيفها العنصرى. وأصبحت عام 1995 أول قاضية غير بيضاء فى المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. حصلت على الماجستير والدكتوراه فى القانون من هارفارد؛ حملت إليها أسئلة بلدها، واكتسبت أدوات أقدر على مساءلة قوانينه.
حملت خبرتها إلى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة فى لاهاى، وعملت قاضيةً بين 2003 و2008، وأسهمت فى وضع قواعد العمل وجهود تعويض الضحايا. ثم تولت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين 2008 و2014، قبل أن تترأس لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل.
وفى تقريرها الصادر فى سبتمبر 2025، (والذى لم تذكره مقالة «هارفارد جازيت»)، خلصت اللجنة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين فى غزة. استندت إلى تحقيقاتها فى القتل، والأذى الجسدى والنفسى الجسيم، وفرض ظروف معيشية تؤدى إلى تدمير الجماعة، وإجراءات تستهدف منع الإنجاب؛ وقرأت تصريحات المسئولين ونمط العمليات بوصفهما أدلة على قصد التدمير. وطالبت اللجنة بوقف الإبادة ومحاسبة المسئولين عنها.
تلقّت بيلاى خبر نوبل فى نورمبرغ، حيث حوكم قادة النازية، بينما تتعرض مؤسسات العدالة الدولية وقضاتها لضغوط وعقوبات أمريكية. وأهدت الجائزة إلى الناجين والمدافعين عن العدالة، مذكّرةً قادة العالم بواجبهم القانونى فى حماية حقوق الإنسان.
ماذا يحمل فوز بيلاى بنوبل للسلام إلى أسر آلاف الضحايا الذين قتلتهم إسرائيل فى غزة، وإلى أم تنبش الركام بحثًا عن طفلها؟ لن تزيح الجائزة حجرًا عن صدر صغير، لكنها تمنح العدالة صوتًا أعلى: وقف القتل، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة مَن أصدر الأمر ومَن نفّذه. وحين تدخل الأم المحكمة باسم طفلها وصورته، وتجد مَن يسمع شهادتها ويتتبع المسئولية حتى منتهاها، يكتسب السلام معناه: أن تأمن الأمهات على أطفالهن، وأن تعرف إسرائيل أن وراء كل ضحية اسمًا لن يُمحى، وحقًّا سيظل يلاحقها.