الوفد تكشف اللغز وتدخل المنطقة الشائكة للبحث عن إجابة "لماذا قتل الفتى والديه ؟"
هل تحققت أحداث رواية الفيل الأزرق داخل قرية محلة مرحوم ؟
بريد من لحم ودم
أمس كان الجمعة ..وفي الجمعة تنبعث من الدور والبيوت رائحة البخور طلبا للبركة وطردا لكل ما هو شرير خبيث ،وداخل الدور يستأنس الأهل بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد عبر إذاعة القرآن الكريم وما يتلوه من سورة الكهف ، السر الإلهي لبركة هذا اليوم واستدامة التحصين لأسبوع كامل " ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ )، تنتبه الآذان والأسماع لمحاولة التدبر لمشهد المريد النبي موسى مع المعلم صاحب المعرفة والعرفان ولي الله "الخضر سلام الله عليه وبركاته " فيسأل النبي المريد معلمه كيف له أن يقتل هذا الغلام ،ليرد المعلم عبر النص الإلهي "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا".
أمس كان الجمعة ,,لكنه ليس كالجمعات المتشابهة والمتكررة التي تمر على قرية محلة مرحوم التابعة لمحافظة الغربية،انتشر رجال الشرطة في أرجاء القرية ، تم التنبيه على الجميع بالابتعاد عن موقع الحدث ،يمنع منعا باتا محاولة الحديث مع القاتل أو التصوير بالهاتف ،سويعات وسيقوم القاتل بتمثيل جريمته في وجود فرقة من إدارة البحث الجنائي وحضورمن النيابة العامة ،القاتل هنا قتل والديه ...القاتل قتل منابع الرحمة البشرية على هذه الأرض ،والقاتل هنا هو ذلك الشاب الذي يشهد الجميع له بحسن الخلق والبر ...عذرا عزيزي القاريء ،هنا لن نلجأ إلى ما تم تداوله عبر صفحات التواصل الاجتماعي أو ما قرره ورسمه المبتعدون عن ساحة الدم ،في هذا الموضوع أنت معي كتفا بكتف ،نجول في شوراع قرية محلة مرحوم ،ستتبعني لنجلس سويا على مقهى قريب من شارع ".الجراج ...." متفرع منه الشارع الذي تمت فيه حادثة القتل وتحديدا بجوار منزل الأستاذ عبد الغني أبو هندي معلم اللغة العربية الأشهر في البلدة ،ستسمع معي صوت المتحدثين والشاهدين ،معي سنسعى لمحاولة فك اللغز ...شريطة أن تستطيع معي صبرا .
القاتل ...كيف يرآه معلموه ؟
بضعة امتار وعبر زقاق ضيق يؤدي إلى شارع ،يتفرع منه ذلك الطريق المؤدي لمنزل الأستاذ ناصر القليبي أحد الكوادر التعليمية في وزارة التربية والتعليم ، معلم محمد الشربيني المتهم بقتل والديه ، المنزل تعلو فيه سورة البقرة ،تبينتها بصوت الشيخ السيد السعيد رحمه الله ،عذوبة التلاوة المصرية وتنوع المقام وتنغيم الصوت فيأسر القاريء من يستمع له بسحر صوته الذي يطرح على اللفظ المقدس صورة تسبح فيها وتتأملها "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ" ضغطة جرس واحدة يعرف هويتي الأستاذ ناصر القليبي يبدأ حديثه :" أليست القاعدة الصحفية تقول في التفاصيل يكمن الشيطان " أقول له :نعم فيستطرد :" ابحث إذن عن تلك التفاصيل " فأساله "حدثني عن القاتل تلميذك ؟" فبجيب :" ساعترض على استخدامك لفظ القاتل فربما كان مقتولا وليس قاتلا ..فقد قرأت بعضا من العبث الذي نشره بعض محبي الشهرة عن حياة الشاب المسكين وتناوله لمخدر الايس وآخرون فتوا في الأمر وقالوا الشابوا وأنا أقول لك شهادة مجردة لوجه الله ،الأسبوع الماضي شاهدني محمد الشربيني بصحبة زوجتي قادما من السوق أحمل أكياس الخضار فجاء مسرعا يحمل عني ما أحمله تقديرا للمعلم الذي كان يدرس له ويعلمه ،سأحدثك عن الطالب في مرحلة الإعدادية ،الطالب النابغ والذي كان يجيد كتابة موضوعات تعبير تتحدث عن القضاء والعدالة ،وفي المرحلة الثانوية درست له ،كان له طموح مختلف ،رغم أنه كان طالبا متفوقا ،هل تعلم ماذا كانت رؤية هذا الشاب المسكين ؟
- أطلب من محدثي المعلم والأستاذ ناصر القليبي أن يواصل حديثه .
- فيجيب :" كان محمد الشربيني المتهم الان بقتل والديه يرى ان كلية القمة الحقيقية ليست الطب ولا الهندسة ،إنما هي كلية الحقوق لأنها تدافع عن مظالم العباد ،وان سلطة النيابة العامة بما أنها مفوضة للدفاع عن حقوق المجني عليهم فإن سلطة النائب العائم هي التفويض الإلهي لنماذج بشرية اصطفاها الله لتحقيق العدالة في الأرض ،تخيل طالب في مرحلة الثانوية يملك هذا التصور وهذه الرؤية .
- معنى ذلك أنه كان من المتفوقين ؟
- يا دكتور ..محمد الشربيني حصل على مجموع تجاوز التسعين في المائة في الثانوية العامة والتحق بكلية حقوق قسم لغة إنجليزية ؛لأن بداخله هدف ،وهو أن يوفق بالتفوق ويلتحق بسلك النيابة العامة ،وهذا ماحدث بالفعل ،فقد أكمل ما عليه وحصل على ترتيب ضمن الخمسة الأوائل على الدفعة ولكنه لم يلتحق بسلك النيابة العامة .
- هل ترى أنه يعيد قصة الطالب عاطف في التسعينات خريج اقتصاد وعلوم سياسية بعدم التحاقه بالسلك الدبلوماسي فقرر أن ينتحر في النيل ؟
- لا ...مع محمد الموضوع مختلف .
- كيف يكون الموضوع به اختلاف ؟
- هناك لغز وسر في الموضوع لأنه إذا كان الإخفاق هو سبب فعلته فلما لم يفعلها بعد عدم الالتحاق بشهر أو اثنين .محمد تخرج قبل 10 سنوات.
- ساعدني لإيجاد اللغز .
- ربما ما أقوله لا يتناسب مع القراء ...
- سأسعى لاستيعاب ما تقوله
- اذهب إلى اقرانه سيخرونك أن الفتي المسكين أصبح سلوكه مضطربا في الفترة الأخيرة ، واذهب لمقاهي القرية سخيرونك عن ما يفعله المؤذيون في خلق الله ، السر في السحر الأسود ، أنا لا أقول أن ما أقوله الآن هو اليقين لكني أحادثك من واقع خبرات رأيتها في بلدتنا ، رجال بارت تجارتهم فلما فحصوا مخازنهم وجدوا بالصدفة حيوانات مكفنة في قطع قماشية ومكتوب عليها طلاسم ،ورجل هجر زوجته واصبح هائما على وجهه لا يكلم أحدا فلما تحسسوا دولاب ملابسه وجدوا ثعبانا مكفنا في ثوبه الداخلي ومحنط وبداخله ورقة عليها طلسم ..أقول لك خيطا ربما تصل به إلى الحقيقة ،لكن شهادتي امام الله وقرائك أن الفتي كان مؤدبا ويضرب به المثل في العلم والخلق .
ممر النيابة العامة .
جبهة الدفاع التي تتولى الحضور للمثول بصحبة المتهم كلا من الاستاذين أحمد البشكار وأحمد الحداد وآخرين لا أعلمهم ، سياج من بعض رجالات الشرطة في الملابس المدنية ،غير مسموح بالصعود لمقر النيابة ،المتهم صورة متداخلة بين كومات من رجال الشرطة التي تحيط به ،عبر مكالمة مع الأستاذ أحمد الحداد نجحت في تقصي الأثر وعدته بألا أتدخل تدخل يسبب له الحرج ،سأقف مبتعدا عن المشهد ألحظ بعيني فقط ،شخص من الجمهور يقف وحيدا لمحاولة رصد المشهد ،يبدو الفتى ،كومة بشرية متهدلة كمن أتى من الجب من قاع البئر ،ملامح بشرية تائهة عين زائغة غير مكترث للعشرات ممن يحيطون به ،يجلسه العسكري المناوب على حراسته ضمن عشرات الحرس على اريكة خشبية بجوار مكتب النيابة العامة ،يدفعني الفضول للاقتراب غير أن نظرات المحامي الشاب صارمة تذكرني بما وعدته به ،أود أن استرق السمع بما يهمس لمن يجاوره ،قادم كأنما قادم من عالم لا ينتمى لعالم البشر ،بدأت في الاقتراب ،سمعت بعض الجمل التي جعلت الجميع يقف مشدوها منصتا إذا القيت إبرة تسمع رنينها ،" قال : أنا كنت أطارد الحلم ،،الحلم جالي وناس قالتلي اقتلهم " أنا قتلتلهم لانهم كانوا بيغتصبوا طفلة " ،"من أتى لي في المنام قال انه يريد مني أن أطهر البيت بقتل والدي ، أنا ضربت ابويا على دماغه وبعدها طعنته بالسكين ،وامي لم تدخل السكين في بطنها فأحكمت قبضتي ودفعت السكين فنفذت في البطن "..."لقد طاردت الحلم لسنوات ..هربت منه وسافرت للاسككندرية لكن الصوت كان يطاردني ويخبرني بضرورة تطهير البيت بقتل ابوي "...
لولا تدخل الأستاذ أحمد الحداد كنت مدفوعا بفطرة من يحمل ألف سؤال "من الذي أتى اليك في الحلم ،،منذ متى يأتيك الحلم ...كيف شاهدت ابويك يغتصبون طفلة ؟"..لكن يد المحامي الشاب كانت قابضة على معصمي يرجوني أن انصرف كي لا اسبب حرجا له ...
قرابة ثماني ساعات أو يزيد ...طوافا بشوارع القرية ومنها للطريق السريع المؤدي إلى طنطا ،قبلها متوقفا أمام مسجد العارف بالله سيدي الجوهري ،الوضوء يطفيء نار البدن وحرقة النفس ،استعد للصلاة محاولا التزام الصبر واللقاء مع المحامي ثانية ...هل أجري محاولة اتصال باللواء محمد عاصم أطلب منه السماح بمقابلة الفتى ...سيخبرني أن التعليمات لا تسمح .انتهت الساعات الثمانية طويلة ...
رن الهاتف كمن التقفته لأرد على محامي المتهم البائس ...طلب أن نلتقي في مكتبه أمام قسم أول طنطا وطلبت منه بأدب أن التقيه في الخارج فانني استشعر ضيقا وبحاجة لهواء لا غرف محكمة مغلقة ....
قال أحمد الحداد المحامي وعضو لجنة الدفاع عن ذلك المتهم الغائب عن عالمنا :" ما قاله من أحلام ومطارادات في خياله لا يمكن أن يسجل او يكتب في محاضر التحقيق الرسمية ،لكن هناك معلومة غاية في الأهمية ،أن المتهم كان حالة مرضية عند الدكتور عمرو هيبة أستاذ الطب النفسي وهو يعاني من حالة مرضية وتم تصنيفه كحالة ذهانية تعاني من الفصام ...لذا طلبت النيابة عرضه على لجنة من الطب النفسي للتأكد من قواه العقلية وصحتها ،بصفتي محامي فإنني اسعى لايجاد ما هو مادي وملموس والغريب انه قال واقر بضرب والده على راسه وفحص الطب الشرعي لم يبين اثر الضربة على الرأس ...."
عليك أنن تتتبع معي عزيزي القاريء عبقرية الروائي احمد مراد "الفيل الأزرق " ما لا يصدقه عقل لا يمكن كتابته في المحاضر الرسمية ..لكننا بحاجة إلى التيقن لفض هذا اللغز .
صديق عمره ....
رفض أن أذكر اسمه ،وعاهدني ألا أبوح بما يقوله بالكشف عن شخصيته ،ويسالني هو لا أنا من يبتدأ السؤال :" اليس مريض الهلاوس السمعية والبصرية يكون مرضه مطبقا على كل الشخصيات التي يلتقيها ،لماذا نفذ محمد الشربيني الجريمة مع امه وابوه اليس للمرض سمة عامة يمكن أن يلحظها الجميع ...سأخبرك بسر .
التفت اليه مسرعا وما هو ...؟
فيجيب قائلا :" محمد شخص محب للنظافة جدا والنظام ،في الشهر الأخير كان محمد لا يستحم وكنت غرفته مليئة بالقاذورات والقمامة ،ولما طلبت منه نظافة الغرفة اخبرني أنه لا يستطيع ،لأن اخرون يريدون منه أن تظل الغرفة على هذه الحالة بالقذارة وعدم الاستحمام "
ابحث كصحفي عن الخلاف الأخير منذ قرابة عام بين محمد واحد اقاربه التي قالت له بعد أن صفعته على وجهه سأجعلك تندم طيلة عمرك .....
ينصرف الشاب الذي في عمر المتهم البائس ،لكن لم تنصرف التساؤلات ،ولا تزال هناك ادلة يجب التثبت منها ،بحثا عن القاتل الحقيقي ،أو قل حقيقة القتل ، اللغز وراء التغير في السلوك ،ثم عودة الى القرية مرة أخرى التي شهدت الجريمة ،استلقي على كرسي مجاور لمدخل المقهي القريب من شارع الجراج ،الغرباء في القرى معروفون ،تخيرت مقهى اخر غير الذي قصدته في الأيام الأخيرة ، التقطت أذني جملة من جاري الذي يحدث صاحبه على الطاولة المجاورة فيما تقرقر النرجيلة "الشيشة "التي يسحب منها شهيقا ثم يبصقه “ اللي هيجنني أن الواد كان بار بابيه ،ده كان قدامي في المستشفى قاعد تحت رجله بيخدمه لما كان محجوز وتعبان “. القضية لا تزال مفتوحة وكذا بحثي في الكتابة عن هذا الأمر لم تنته لهذا الحد بإذن من الله وتوفيقه ….ويبقى السؤال الان :”هل قتل الفتى محمد ابن ادم والديه ،أم أن وافدا من عالم آخر تلبس جسده وقام بفعل القتل ؟” القضية لم تنته بعد وكذا ورق التحقيق الصحفي لم يغلق بعد