بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قانون الإجراءات الجنائية

قانون الإجراءات الجنائية

سبب التعديل ومغزى التأجيل

يمثل قانون الإجراءات الجنائية العمود الفقري لمنظومة العدالة في أي دولة، فهو الذي ينظم قواعد القبض، والتفتيش، والحبس الاحتياطي، وإجراءات المحاكمة، وضمانات الدفاع. وفي مصر، يظل هذا القانون موضوعاً ذا حساسية بالغة لأنه يمس بشكل مباشر الحرية الشخصية وحرمة المنازل وحقوق المواطنين في مواجهة فكرة السلطة المطلقة للدولة. وقد أثار مشروع التعديلات الجديد لقانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 جدلاً واسعاً ولغطاً حقوقياً وقانونياً وسياسياً لم تشهده الساحة التشريعية منذ سنوات.

تعود النواة الأساسية لقانون الإجراءات الجنائية الساري إلى عام 1950، وعلى الرغم من إدخال عشرات التعديلات عليه عبر العقود الماضية، إلا أن المنظومة التشريعية ظلت تشكي من الفجوات وتضارب النصوص وعدم ملاءمتها للتطورات التقنية الحديثة ودستور عام 2014. وقد سوّقت الجهات الرسمية والتنفيذية للتشريع الجديد باعتباره نقلة نوعية تهدف إلى الاستجابة للاستحقاقات الدستورية مثل تنظيم الحبس الاحتياطي وتفعيل استئناف أحكام محاكم الجنايات لتكون المحاكمة على درجتين، إضافة إلى تفعيل التحول الرقمي وإدخال تقنيات الاتصال الحديثة والمحاكمة عن بُعد، والحد الظاهري من مُدد الحبس الاحتياطي مع إقرار مبدأ تعويض من ثبتت براءته وفق ضوابط معينة.

على الرغم من هذه الدعاية التي جسدت المشروع كوثيقة حماية للحقوق، قوبل المشهد برفض شديد من قِبل نقابة المحامين، والعديد من المراكز الحقوقية المستقلة، ونقابة الصحفيين، وعدد من القانونيين والقضاة المتقاعدين. وتركز النقد الحقوقي على أن مشروع القانون يمنح أعضاء النيابة العامة ومأموري الضبط القضائي صلاحيات واسعة تشبه صلاحيات قضاة التحقيق، لا سيما في توسيع نطاق التفتيش والدخول للمنازل بدون إذن قضائي مباشر ومسبب في بعض الحالات، بالإضافة إلى صلاحية استجواب المتهمين في غيبة محاميهم بحجة الضرورة أو الاستعجال، وهو ما اعتبره القانونيون عصفاً بضمانات الدستور.

أما في ملف الحبس الاحتياطي، فرغم تقليص المدد النيابية للحبس لتصبح مثلاً أربعة أشهر في الجنح واثني عشر شهراً في الجنايات، يرى الحقوقيون والمحامون أن القانون الجديد لم يحسم الثغرة الرئيسية المعروفة بتدوير المتهمين عبر إخلاء سبيل المتهم ثم إدراجه في قضية جديدة بذات الاتهامات للبقاء في الحبس. كما أن نص التعويض عن الحبس الخاطئ وضع شروطاً تعجيزية تجعل الحصول عليه شبه مستحيل في الممارسة العملية. وثار غضب المحامين بسبب مواد تتيح للمحكمة أو النيابة منع المحامي من الحديث أو ندب محامٍ آخر فوراً في حال عدم حضور المحامي الأصيل دون منح مهلة كافية للاطلاع، وهو ما اعتبرته النقابة مساساً بسيادة مهنة المحاماة وحصانتها. أضف إلى ذلك انتقاد توسيع المحاكمات عن بُعد عبر الشاشات ومقاطع الفيديو للمتهمين داخل سجونهم، مما يحرم المتهم من الاتصال المباشر والسرّي بمحاميه، ويسلب القاضي إمكانية معاينة الحالة البدنية والنفسية للمتهم. كما تضمن التشريع مواد تحظر نشر أخبار أو وقائع التحقيقات إلا بإذن كتابي مسبق، وهو ما اعتبرته نقابة الصحفيين تقييداً للصحافة وحجباً للرأي العام عن القضايا التي تمس الشأن العام.

ثم استيقظ الشارع القانوني بعد ذلك على قرار موافقة مجلس النواب على إرجاء وتأجيل تطبيق هذا القانون لمدة عام كامل، ليصبح موعد النفاذ هو الأول من أكتوبر 2027 بدلاً من أكتوبر 2026. يعني تأجيل تطبيق القانون من الناحية القانونية وقف العمل بكافة نصوصه ومواده وتجميد أثره الفوري إلى الموعد الجديد، والاستمرار في العمل بالقانون القديم رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاته المعمول بها حالياً. غير أن إشكالية قانونية ثارت هنا، وهي أن الأصل التشريعي ينص على أن القانون الأصلح للمتهم يطبق فوراً، وكان يفترض أن يُستفاد فوراً من تقليص مدة الحبس الاحتياطي، في حين أوقف قرار التأجيل الشامل تفعيل هذه المواد الأصلح.

تنوعت الأسباب الحقيقية خلف قرار الإرجاء بين ما هو تقني وما هو سياسي ، إذ يستلزم التشريع الجديد ربطاً إلكترونياً كاملاً بين مراكز الإصلاح والتأهيل والنيابات والمحاكم، وتجهيز قاعات المحاكمة الرقمية ونظام التوقيع الإلكتروني، وقد اعترفت وزارة العدل ضمنياً بعدم اكتمال هذه البنية التحتية الضخمة في كافة المحافظات. كما أن الضغط الحقوقي والمجتمعي وشبح الأزمة مع نقابتي المحامين والصحفيين وقوى المعارضة أحدث أزمة مشروعية حول القانون، وكان الاستمرار في تطبيقه يهدد بإضرابات أو مقاطعة للمحاكمات، مما دفع السلطة السياسية للتدخل وإعادة فتح المهلة لتهدئة الغضب النقابي ولتدريب الكوادر القضائية والأمنية على أساليب العمل الجديدة.

ورغم أن التأجيل يمنح فرصة لتدارك الثغرات، إلا أنه يخلف خسائر ملموسة، فهو يعني استمرار معاناة آلاف المحبوسين احتياطياً وفق المدد القديمة الطويلة وضياع فرصة الفرج الإجرائي عنهم، فضلاً عن إهدار بعض الضمانات الإجرائية الإيجابية الأخرى وحرمان المتهمين الجدد منها لعام آخر. كما أن التأجيل المفاجئ يخلق ارباكاً لدى القضاة والمحامين والجهات الشرطية، ويضرب مبدأ استقرار المراكز القانونية، ويبعث برسالة مفادها غياب التخطيط المسبق أثناء صياغة وإقرار التشريعات. أضف إلى ذلك التكلفة الاقتصادية والمالية المباشرة الناتجة عن استمرار احتجاز أعداد كبيرة ، فبسبب ذلك تتكبد الموازنة العامة للدولة ملايين الجنيهات للإنفاق على إدارة مراكز الاحتجاز، فضلاً عن تعثر مساعي تحسين ملف حقوق الإنسان أمام "الشركاء الدوليين".

وللإجابة عن مدى أهمية وفائدة هذا القانون، يجب التمييز بين ضرورة وجود قانون جديد وبين جودة ومضمون التشريع المطروح. منظومة العدالة في مصر بحاجة ماسة لقانون إجراءات جنائية جديد ومتطور بالكامل ، فالقانون القديم أصبح متهالكاً وعاجزاً عن مواجهة الجريمة الإلكترونية والتطورات التقنية والمفاهيم الحديثة للمحاكمة المنصفة. إن إقرار قانون جديد يمثل فرصة حقيقية لإعادة هيكلة بدائل الحبس الاحتياطي وتطبيق التحول الرقمي وتوفير ضمانات مالية وحق التعويض للضحايا وللمحتجزين بالخطأ. لكن المشكلة لا تكمن في أهمية وجود قانون، بل في فلسفته وصياغته، فالتشريع المفيد هو الذي يوازن بدقة بين صلاحيات جهاز الأمن والنيابة لحماية المجتمع، وبين حماية حرية المواطن والضمانات الممنوحة لدفاعه. مشروع القانون الجديد، من وجهة نظر مستقلة وغير حكومية، مالَ نحو تغليب الاعتبارات الأمنية وسلطات الاتهام على حساب العدالة والحرية، وأفرغ العديد من المبادئ الدستورية الواعدة من مضمونها.

إن أزمة تعديلات قانون الإجراءات الجنائية واللغط المحيط بها تعكس أزمة في عملية صناعة التشريع ذاتها، فالقوانين الصارمة التي تمس حريات الملايين لا يمكن إقرارها بتسرع أو بمعزل عن حوار مجتمعي حقيقي وشامل يستمع لأصحاب الشأن من محامين وحقوقيين وقضاة ومؤسسات مجتمع مدني. و قرار تأجيل تطبيق القانون - رغم ما دار من خلاف حوله -  هو فرصة لإعادة مراجعة وصياغة المواد الخلافية، وتجريد القانون من ثغرات تكريس الحبس الاحتياطي أو تقييد عمل الدفاع، وصولاً إلى قانون إجراءات حديث يليق بمصر ويضمن العدالة الناجزة دون التضحية بالحرية والكرامة الإنسانية.