العميد محمد عبدالقادر أحد أبطال المدفعية يروى ذكريات النصر واستعادة الكرامة:
ﺧﻂ ﺑﺎرﻟﻴﻒ «ذاب» ﻋﻠﻰ أﻳﺪى اﻟﺠﻴﺶ اﻟﻤﺼﺮى ﻓﻰ 6 ساعات
كنا شبابًا نحمل شرف تكليفنا باستعادة الأرض من العدو المحتل
رسالتى إلى الشباب: مصر أمانة ولستم أقل وطنية منا
«سوف يجىء يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا الأمانة وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء»، تلك هى بعض كلمات خطاب النصر للرئيس الراحل أنور السادات، بعد انتهاء الحرب، والتى يتذكر المصريون قادتها بكل فخر.
واليوم وفى العيد الثالث والخمسين لذكرى حرب أكتوبر المجيدة، نتذكر أيام العزة والكرامة التى يرويها أحد أبطال حرب أكتوبر، العميد محمد محمد عبدالقادر قائد سرية مدفعية، كان برتبة نقيب، وأحد أوائل عابرى قناة السويس، فى السادس من أكتوبر 1973.
يؤكد البطل العميد عبدالقادر، أن العزيمة والإرادة للجندى المقاتل المصرى، هى التى صنعت نصر أكتوبر العظيم، وأن التخطيط الجيد، مع الإيمان بضرورة الثأر،واستعادة الكرامة بعد حرب ٦٧،هو من زلزل الأرض تحت أقدام العدو المحتل لأرضنا فى سيناء، ويقول عبدالقادر.
فى مثل هذا اليوم منذ ثلاثة وخمسين عامًا اقتحم الجيش المصرى مانع قناة السويس الصعب واقتحم خط بارليف الحصين أقوى خط دفاعى فى التاريخ الذى كان قد أنشأه العدو الصهيونى على الشاطئ الشرقى لقناة السويس، مستندا إلى المجرى الملاحى للقناة، معتبرا إياه الحدود الدائمة الجديدة للدولة العبرية من جهة الغرب، مؤمنا استيلاءه الكامل على شبه جزيرة سيناء محققا حلما راوده كثيرا،وتأتى عظمة ذلك الاقتحام من توضيح قوة الخط الدفاعى الذى أوصى حتى الأصدقاء بعدم اقتحامه وإلا ستكون الخسائر للجانب المصرى فادحة. وحتى الخبراء العسكريون الروس فى ذلك الوقت أعلنوا أن اقتحامه يحتاج إلى عدة قنابل نووية تكتيكية لفتح الثغرات فيه للعبور إلى الأراضى خلفه.
ويروى البطل محمد عبدالقادر لـ«الوفد» كيف اقتحم الأبطال هذا الحصن المنيع، مشيرا إلى أن عوامل قوة خط بارليف الحصين الذى ذاب فى أيدى الجيش المصرى يوم السادس من اكتوبر فى 6 ساعات تتلخص فى الآتى:
يتكون خط بارليف من ستة عناصر شكلت جميعها قوة الخط ومناعته وصلابته:
أولا: المجرى الملاحى لقناة السويس بطول 160 كم وعرض يتراوح وقتها بين مائتين وخمسمائة متر.
ثانيا: الساتر الترابى العملاق، وهو الأتربة الناتجة عن تطهير قناة السويس على مدار عمرها كله، وكان يتم عادة وضعه على الضفة الشرقية للقناة باعتبارها منطقة صحراوية غير مستخدمة، فتكدس وصارت مئات الملايين من الأطنان من الأتربة الهشة، وقام العدو مستغلا فترات وقف إطلاق النار بازاحتها إلى حافة القناة مباشرة مستخدما المعدات الهندسية فصارت كجبل عال من الأتربة يميل على القناة بزاوية تصل إلى ثمانين درجة. مما يعوق عملية صعود الجندى منفردا فما بالنا بالجنود حاملين أسلحتهم ومعداتهم.
ثالثا: 31 نقطة حصينة تم إنشاءها بطول قناة السويس بفاصل من 3-5 كم متر ومحصنة بالخرسانة المسلحة وأسقفها من قضبان وفلنكات السكة الحديد وشكائر الرمال وأكوام من الحجر الجيرى، فصارت مقاومة لأى محاولات لتدميرها من أعلى، وتحوى بداخلها كافة أنواع الأسلحة.
رابعا: حقول ألغام وأسلاك شائكة تغطى تماما المنطقة أمام كل نقطة حصينة تجعل القدرة على عبورها والاقتحام من الأمام مستحيلة.
خامسا: مستودعات وخزانات مليئة بمادة «النابالم» وهى مادة لزجة سريعة الاشتعال، وإن اشتعلت فيستحيل اطفاؤها، ومدت منها مواسير إلى وسط القناة بحيث يتم اشعالها لو فكر أحد بالعبور فتشتعل صفحة الماء ويشوى كل من فيها.
سادسا: خطة نيران قوية لحماية النقاط الحصينة بوضع احتياطيات من الدبابات فى العمق على مسافة من ثلاثة إلى خمسة كيلومترات خلف النقاط الحصينة تحمى بنيرانها تلك النقاط والفواصل بينها.
ويضيف العميد عبدالقادر: وأقول هنا للشباب المصرى،تلك كانت مكونات خط بارليف الحصين، فماذا فعل أجدادكم؟ أبطال العبور؟ لقد قهروا كل ذلك مستعينين بالله أولا، واستخدموا العلم فعكفوا على دراسة كل عامل من هؤلاء وكيفية القضاء عليه، وتشكلت اللجان العسكرية، والهندسية، وتمت الاستعانة بالعلماء والخبراء من داخل القوات المسلحة، ومن أساتذة الجامعات المصرية، وأدلى كل بدلوه والهدف أمامهم واحد، هو إخراج مصر من أزمتها واستعادة أرضها وشرفها. ولأن الهدف نبيل ولأن الله مع الجماعة، ولأن الصدق، والاخلاص، وحب الوطن كان رائدهم جميعا فقد وفقهم رب العالمين إلى حلول لكل مشكلة، وبقيت مشكلة فتح الثغرات فى ذلك الساتر الترابى الضخم لتسمح بعبور المدرعات والمركبات من خلالها، فألهم رب العالمين أحد ضباط المهندسين العسكريين بفكرة استخدام مضخات المياه ذات الضغط العالى لإزالة أجزاء من الساتر الترابى. ووضعت الخطط للتنفيذ.
وفى السادس من أكتوبر 73 تم التنفيذ واقتحام القناة وفتح الثغرات وتدمير النقاط الحصينة واستكمال الخطة الهجومية الموضوعة، وصار أعظم نصر فى التاريخ العسكرى الحديث.
وعن الدروس المستفادة للشباب المصرى، أكد العميد عبدالقادر، أن حرب أكتوبر والعبور العظيم واقتحام خط بارليف، كانت لها دروس مستفادة، لا بد أن نتعلم منها، ليستفيد الشباب ويتعلم من الدرس الذى تعلم منه العالم كله وما زال يدرس فى المعاهد العسكرية العالمية.
ويسرد العميد عبدالقادر لـ«الوفد» الدروس المستفادة فى نقاط أهمها:
1- حب الوطن: ليس كلاما يقال وإنما يجب ترجمته إلى عمل يكون له أثر.
2- الاخلاص فى العمل: فما تم من أبحاث وتجارب للوصول إلى أفضل النتائج كان كثيرا ومتنوعا وبذل فيه من الجهد والعرق الكثير والكثير فكان توفيق الله ونصره.
3- الإيمان بعدالة القضية: أن يؤمن كل منا بما يكلف به من عمل، وبمشروعية ذلك التكليف مهما كان صغيرا فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
4- الجدية فى العمل والشعور بحجم المسئولية وبذل أقصى الجهد لتحقيق الهدف.
ويواصل العميد محمد عبدالقادر بطل المدفعية رسالته للشباب حديثه لـ«الوفد» قائلا:
إلى شباب اليوم أقول: لقد كنت فى مثل عمركم الآن فقد كان عمرى وقتها أربعة وعشرون عاما وكنت قائدا لسرية مدفعية. كان لدى ستة مدافع من أكبر أعيرة المدفعية فى القوات المسلحة قيمتها وقتها مئات الآلاف من الجنيهات، ولدى أيضا ذخيرة بمثل ثمنها، ولدى مائة وأربعة عشر ضابطا وجنديا هم قوة السرية مسئول عنهم وعن الحفاظ على حياتهم، ثم كان لدينا جميعا شرف وطن كلفنا باستعادته من العدو المحتل، فكنا جميعا على قدر تلك المسئولية وخلصت النوايا فكان الله حليفنا، وسدد خطانا.
وأنتم اليوم لستم أقل وطنية منا، فالوطن وطننا جميعا،من أدى دوره ومن ينتظر أن يؤدى واجبه. تلك مصر وطننا الذى لا وطن لنا غيره. وإن كانت تلك مسئوليتنا فى ذلك الزمان فهى مسئوليتكم اليوم، وليعلم كل منكم أن الأوطان يحميها شبابها فالكبار أدوا دورهم وصاروا كبارا. والأطفال لم يأت دورهم بعد وهم بعد ضعفاء. فيا شباب مصر أوصيكم بعدة وصايا أرجو أن تعوها جيدا:
1- تسلحوا بالعلم فقد اختلفت وسائل الحروب وصارت الحروب فى العقول وليست بالمعدات والأسلحة وصار الأقوى ليس من يملك الدبابة ولكن من يملك وسائل اللعب فى العقول بالالكترونيات والذكاء الاصطناعى وغيرها.
2- صارت الشائعات هى السلاح الأقوى ومجرد شائعة يتناقلها الأفراد من خلال وسائل التواصل قادرة على إشعال حرب ومحو دول. فتيقنوا مما يعرض عليكم ولا تتسرعوا فى نقل خبر أو ترديد شائعة قبل فحصها وتدقيقها فهى أمانة أنتم محاسبون عليها أمام رب العالمين.
3- بلدكم مستهدف بحكم موقعه وطمع الطامعين، وإثارة الفتن فيه هدف دائم لأعدائه فلا تكونوا أدوات لهم ليستكملوا أهدافهم الدنيئة.
4- لديكم قيادة شريفة عفيفة تقود البلاد، وربما هناك ملاحظات، وقد تكون هناك اخطاء ينتج عنها اعتراض وقد يكون هناك عدم قبول لبعض القرارات، كل هذا وارد، والاختلاف ظاهرة صحية مادام فى صالح الوطن، ولكن يبقى السؤال: كيف يدار ذلك الاختلاف؟ وبأى أدوات؟ فليكن الحوار وسيلتنا وليكن استقاء المعلومات من مصادرها الصحيحة هدفنا. فليس هناك وطن بلا مشاكل، المهم أن نعرف كيف نختلف من أجل الوطن مع المحافظة على الوطن.
وأخيرا.. لقد عبر أجدادكم بمصر فترة كانت حالكة السواد، بقيادة حكيمة وشعب وإن لم يكن يتمتع بكل وسائل الإعاشة الحديثة، كما أنتم اليوم، إلا أنه قد أدى ما عليه فى حماية بلده، والآن جاء دوركم فهل أنتم فاعلون؟
