بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«لفت نظر»

الصديق الذى اختارته كوريا قبل الطريق

ليست كل الزيارات الرئاسية سواء، وليست كل العبارات التى تقال فى المؤتمرات الصحفية مجرد مجاملات دبلوماسية. أحيانا تختصر جملة واحدة تحولات فى رؤية دولة لدولة أخرى، وتكشف كلمات قليلة ما تعجز صفحات البيانات الرسمية عن قوله.
حين يستدعى الرئيس الكورى الجنوبى لى جاى ميونج الحكمة العربية «اختر الرفيق قبل الطريق» ويتبعها «إن كوريا ومصر أصبحتا رفيقين يسلكان طريقا جديدا معا»..
لم يكن الأمر مجرد استدعاء لمثل عربى جميل، بل كان إعلانا سياسيا عن اختيار شريك يثق به، ويراه قادرا على المشاركة فى رحلة المصالح والمستقبل.
وهنا تكمن دلالة زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى كوريا الجنوبية منذ ساعات.
فالقيمة الحقيقية للزيارة لا تقاس بمراسم الاستقبال ولا بعدد الاتفاقيات وحده، وإنما بما تعكسه من انتقال العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية وما يفتحه ذلك من أبواب للتعاون فى كل المجالات الزيارة جاءت فى لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الصراعات الجيوسياسية مع المنافسة الاقتصادية وتتعرض فيها سلاسل الإمداد والتجارة العالمية لاختبارات متلاحقة. وفى مثل هذه اللحظات، لا تبحث الدول عن الأسواق فقط، بل عن الشركاء الذين يمكن بناء مصالح طويلة الأجل معهم بعيدا عن تقلبات السياسة وضغوط الاستقطاب الدولى.
كوريا الجنوبية دولة صنعت تجربتها الحديثة من خلال الاستثمار فى الصناعة والمعرفة والتكنولوجيا، وتحويل الموارد المحدودة إلى قوة اقتصادية وتصديرية مؤثرة. ومصر بما تمتلكه من موقع استراتيجى، وسوق كبيرة، وبنية صناعية قابلة للتوسع، وارتباط بالأسواق العربية والأفريقية، تمثل شريكا يمكن أن يمنح كوريا مساحة أوسع للحركة فى الشرق الأوسط وأفريقيا.
مصر أيضا تحتاج إلى شراكات تنقل إليها الخبرة والتكنولوجيا، وتفتح المجال أمام التصنيع المحلى، وتزيد الصادرات وفرص العمل، بدلا من الاكتفاء باستيراد المنتجات النهائية.
من هنا، فإن اختيار كوريا لمصر يخضع لحسابات المصالح، كما أن انفتاح مصر على التجربة الكورية ليس مجرد تنويع للعلاقات بل فرصة لبناء نموذج تعاون يقوم على الإنتاج ونقل المعرفة. 
فى الحكمة العربية معنى يتجاوز الصداقة الشخصية فالطريق قد يطول وتتغير ظروفه، وتظهر فيه العقبات لكن حسن اختيار الرفيق يمنح الرحلة فرصا أكبر للنجاح.
وحين يستحضر رئيس دولة مهمة هذه الحكمة فى حديثه عن مصر، فإنه يمنح العلاقة بعدا إنسانيا وثقافيا لكنه يحملها أيضا دلالة سياسية، فالقاهرة ليست بالنسبة إلى سيول مجرد عاصمة فى منطقة بعيدة جغرافيا بل دولة ذات ثقل إقليمى، وقادرة على التواصل مع دوائر عربية وأفريقية ومتوسطية، وتؤدى دورا مهما فى ملفات الأمن والاستقرار والملاحة والتجارة.
والأهم أن الرئيس الكورى لم يكتفِ بالقول إن مصر بلد صديق، بل ربط الصداقة بطريق مشترك. والفارق كبير بين دولة تتبادل معك عبارات الود، ودولة تعلن استعدادها للسير معك فى مسار جديد من المصالح والتعاون.
لكن الحكمة لا تكتمل بمجرد إعلان الاختيار فالرفيق الحقيقى يختبر فى الطريق، والشراكة الحقيقية تقاس بما تحققه لشعوبها.
وهنا فإن القرار برفع العلاقات المصرية الكورية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية هو التطور الأهم لأنه ينقل العلاقة من إطار التعاون التقليدى إلى تصور أوسع للتنسيق السياسى وتوسيع المصالح المشتركة.
وتكشف مجالات التعاون التى تناولتها المباحثات، من بناء السفن والطاقة النظيفة والبنية التحتية للكهرباء والتكنولوجيا إلى التعاون الدفاعى، عن أن الطرفين لا يريدان حصر العلاقة فى قطاع واحد، وإنما يسعيان إلى بناء شبكة مصالح متداخلة.
وهنا ينبغى ألا تتعامل مصر مع الشراكة الجديدة باعتبارها مجرد إضافة إلى علاقاتها الدولية بل باعتبارها اختبارا لقدرتها على تحويل العلاقات السياسية إلى مكاسب اقتصادية قابلة للقياس.
فالنجاح لا يعنى توقيع مذكرات تفاهم كثيرة، وإنما أن نرى استثمارات جديدة، ومصانع أكثر وصادرات أعلى وتكنولوجيا تدخل السوق المصرية وفرص عمل مستدامة، وقدرة أكبر على المنافسة فى الأسواق الإقليمية.

[email protected]