لسنا كارتًا فى أيدٍ ملطخة بالدماء
فى سجل الصراع العربى الإسرائيلى، بات شهر أكتوبر -قديماً وحديثاً- محطةً تتجلى فيها الإخفاقات الأمنية الإسرائيلية، وتتلاشى على أعتابها أوهام التفوق المطلق والدولة التى لا تُقهر. فمن صدمة أكتوبر 1973 التى قوضت نظرية الأمن القومى الإسرائيلى وأثبتت جسارة الإرادة المصرية، وصولاً إلى المواجهات الراهنة التى أعادت تجسيد الهشاشة الأمنية وتخبط الحسابات السياسية فى تل أبيب، يثبت أكتوبر مراراً أنه شهر الانكشاف الاستراتيجى والمواجع المتكررة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. لذا، فإن محاولة تصدير الأزمات الداخلية أو التغطية على هذا الإخفاق الممتد عبر العقود بإطلاق التصريحات التصعيدية والمزايدات الانتخابية، لا تعدو كونها هروباً إلى الأمام، ومحاولة يائسة للالتفاف على واقع الفشل السياسى والأمنى الذى تعيشه الحكومة اليمينية المتطرفة.
سيناء والأمن القومى المصرى ليسا ورقة فى الانتخابات الإسرائيلية، ولا مادة للمزايدات السياسية، ولن يكونا كذلك أبدًا، تصريحات وزير المالية الإسرائيلى الداعية لتغيير واقع سيناء والترويج لسيناريوهات تهجير الشعب الفلسطينى، لا تعبر عن أى قوة سياسية أو استراتيجية بقدر ما تترجم حالة صريحة من «الإفلاس السياسى» واللجوء إلى استدعاء خطابات الاستعراض الفارغة. إن تسديد الفواتير الحزبية الضيقة على حساب حدود وسيادة الدولة المصرية هو وهم سياسى لا ينم إلا عن جهلٍ عميق بطبيعة الدولة المصرية وقدراتها الذاتية، وللثوابت التى لا تقبل مصر تحويلها إلى مادة للمساومة أو الدعاية السياسية.
وحسناً جاء الرد الرسمى المصرى حاسماً، واضحاً وقاطعاً: «مصر قادرة على حماية أراضيها والحفاظ على سيادتها الوطنية، واستقلالها فى مواجهة أى مهددات». صحيح أن السلام هو نهج استراتيجى مصرى، لكن هنا يجب التمييز بين أمرين: مصر دولة تدرك قيمة ضبط النفس، وتتمسك بالسلام والاستقرار، وتتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا لمنع اتساع دائرة الحرب، لكنها فى الوقت ذاته لا تسمح بأن يُساء تفسير ضبط النفس باعتباره ضعفًا، ولا أن يُفهم التزامها بالقانون الدولى باعتباره عجزًا عن حماية حدودها. إن سيناء بالنسبة لمصر ليست مجرد امتداد جغرافى أو مساحة صحراوية يمكن المساومة عليها أو جعلها مسرحاً لأوهام التهجير والإلحاق، بل هى -كما وصفها جمال حمدان دقيقةً فى أطروحاته هى «أهم وأخطر مدخل لمصر على الإطلاق. وإن كانت مصر أطول تاريخ حضارى فى العالم، فإن لسيناء أطول سجل عسكرى معروف فى التاريخ». ومن ثم، فإن أى محاولة للعبث بهذا الشريط الجغرافى الحاسم تعنى صداماً مباشراً مع أكثر نقاط الأمن القومى المصرى حساسية، وهو ما يعيه جيدا أى تحليل عسكرى متزن بعيداً عن صخب المزايدات الحزبية فى تل أبيب.
فى خطابه التاريخى أمام الكنيست الإسرائيلى فى القدس المحتلة بتاريخ 20 نوفمبر 1977، الرئيس الشهيد محمد أنور السادات رد على تصريحات المتطرف سموتريش، وجّه الرئيس الراحل محمد أنور السادات رسالةً حاسمةً فى عقر دارهم ردّاً على التوجهات المتطرفة، قائلاً: «إنَّ عليكم أن تتخلَّوا نهائيّاً عن أحلام الغزو، وعن الاعتقاد بأن القوة هى الوسيلة المُثلى للتعامل مع العرب. استوعبوا جيداً دروس المواجهة بيننا، فلن يُجديكم التوسّع شيئاً. ولكى نكون واضحين، فإن أرضنا لا تقبل المساومة ولا الجدل، فالتراب الوطنى والقومى لدينا بمنزلة الوادى المُقدّس طُوى، الذى كلّم الله فيه موسى عليه السلام، ولا يملك أيٌّ منّا، ولا يقبل، أن يتنازل عن شبرٍ واحدٍ منه». وقد جدّد الرئيس السيسى التأكيد على هذه الرسالة بإيجازٍ وقوةٍ بقوله: «إذا كان الجيش المصرى قد فعلها مرّةً، فهو قادرٌ على فعلها فى كلّ مرّة».