محطات من تاريخ مصر الحديث
تاريخ مصر الطويل يشبه قطار يمضى خلال محطات، ويبدو أحيانا سريعا، وفى أخرى بطينا، ومسيرة مصر عبر تاريخها تحمل هذا المعنى، وإذا نظرنا إلى أبرز محطات القطار بعد عام ١٩٥٢، فسوف نرى العصر الناصرى والقطار يجرى، ولسائقه كاريزما من نوع خاص تجعل ثقة الركاب فيه مطلقة، وتعطيه مساحة كبيرة من التأييد الزائد، وظل القطار يجرى إلى أن استنزفت الأحداث جهده، فانعطف القطار فى تحويلة تجاه دولة اليمن، تحت وهم تحريرها مما هى فيه، والرغبة فى تكريس الزعامة العربية لمصر. ثم توقف القطار فجأة فى محطة ١٩٦٧، لتشهد البلاد انتكاسة كبرى دفع الشعب المصرى فيها ثمنا فادحا، شاركته فيه شعوب عربية أخرى. فلقد كانت ١٩٦٧ هى محطة فاصلة فى التاريخ المصرى الحديث، وقد تثاقلت الأعباء على الوطن اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، ولكنه قام بإعادة بناء القوات المسلحة وخطط للحرب الشاملة على العدو الإسرائيلى فى بداية ربيع عام ٧١، طبقا لشهادة الفريق محمد فوزى وزير الحربية آنذاك، فكانت النتيجة أن تدهورت صحة سائق القطار ورحل عن عالمنا فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠. ثم يأتى خليفته بفكر مختلف، واتجه بالقطار إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، فتحقق له النصر فى حرب أكتوبر ٧٣، وأصبحت تلك الحرب أكثر الحروب شهرة فى تاريخ مصر المعاصر. وكان الرئيس الجديد رجل دولة يمتلك خبرات كبيرة نتيجة خدمته السابقة، ويحاول إصلاح القطار والتحرك به من جديد نحو آفاق مختلفة، وقد تحقق له قدر من إتاحة الحريات وتوسيع دائرة المشاركة السياسية، ولكن الأوضاع الاقتصادية والظروف الإقليمية لم تكن مواتية لكى يظل القطار على سرعته دون توقف، ثم جاءت محطة مهمة فى ١٩ نوفمبر ١٩٧٧، عندما زار الرئيس القدس، إيذانا بتحول جذرى فى الصراع العربى الإسرائيلى، وبعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فى واشنطن عاصمة الولايات المتحدة فى ٢٦ مارس ١٩٧٩، بدأ القطار المصرى يراجع أوضاعه ويعيد النظر فيما جرى، حتى اغتيل فى ٦ أكتوبر ١٩٨١، أثناء احتفال القوات المسلحة بذكرى نصر أكتوبر ٧٣. وبعد ذلك تولى قيادة القطار قائد عسكرى أمضى حياته فى القوات المسلحة وأحد أبطال حرب أكتوبر ٧٣ البارزين، وكان يهدف إلى تثبيت الأوضاع وترك الأمور على ما هى عليه، رغم صدق النوايا والوقوف على أرضية وطنية دائماً، تسلل إلى القطار بعض الشخصيات مستخدمين ستار الدين، فى محاولة لاختطاف البلاد وهم جماعة الإخوان المسلمين، التى كانت تملك رصيدا طويلا من الممارسة السياسية والعنف الزائد، مع قدرة على تبرير الأحداث وتزييف الحقائق. ولقد حاول القطار التهدئة فى بعض المحطات لكى يتخلص من تلك الجماعات، ولكن قوى خارجية وداخلية كانت تلعب دورها النشط فى تغيير الأوضاع ودعم تلك الجماعة المحظورة، حتى هبط الربيع العربى على المنطقة، وكان الحشد الإخوانى هو أكثر التجمعات تنظيما مقارنة بباقى أطراف الساحة السياسية، لذلك قفز الإخوان إلى الحكم وقدموا أنفسهم أسوأ تقديم خلال عام واحد. ثم جاء قائد جديد للقطار فى ٨ يونيو ٢٠١٤، عسكرى، وطنى، متدين، استطاع التخلص من حكم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، ومضى بالقطار مسرعا نحو غايات واضحة وأهداف محددة، فالقطار لا يتوقف إلا فى محطات بعينها بدءا من الإصلاح الاقتصادى، مرورا بالحرب على الإرهاب وهو يشيد فى طريقه المدن الجديدة ويطور البنية الأساسية ويمضى مسرعاً نحو غاياته، لا تستهلكه المناورات، فهو ماض فى طريقه لا يلتفت يمينا ولا يسارا ولا ينظر كثيرا إلى الوراء. إنه قطار الوطن الذى يقطع المسافات ويتجه بركابه نحو دولة عصرية حديثة تقوم على التنمية والبناء.
محافظ المنوفية الأسبق