ﻛﻨﻮز اﻟﻮﻃﻦ
أكتوبر.. حين صنع الجندى المصرى المستحيل
بعد 53 عامًا من نصر أكتوبر المجيد، لا تزال المعركة أكبر من مجرد ذكرى وطنية نحتفل بها كل عام، إنها مدرسة مصرية متكاملة فى الإرادة والوعى والتخطيط والخداع الاستراتيجى والقدرة على تحويل الهزيمة إلى طاقة نصر.
ففى السادس من أكتوبر 1973، أثبت الجندى المصرى أن التفوق فى السلاح لا يصنع وحده الانتصار، وأن الإنسان حين يؤمن بقضيته يستطيع أن يغيّر موازين القوة.
كانت عبقرية الجندى المصرى هى البداية. جندى عرف أن خلفه وطنًا ينتظر استعادة كرامته، وأن عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف ليسا مجرد مهمة عسكرية، وإنما استرداد لثقة شعب بأكمله.
تدرب، وصبر، وتحمّل، ونفّذ بدقة، وواجه ظروفًا بالغة الصعوبة بإيمان لا يتزعزع بأن النصر ممكن.
لكن النصر لم يكن وليد لحظة العبور، وإنما سبقه إعداد طويل ومعركة أخرى جرت فى ميادين العقل والمعلومة والسياسة والإعلام. وجاءت خطة الخداع الاستراتيجى المصرية واحدة من أبرز عناصر المفاجأة، حيث نجحت القيادة المصرية فى إقناع إسرائيل بأن الحرب ليست وشيكة، مستفيدة من تكرار التدريبات العسكرية، والتحركات السياسية والدبلوماسية، وإدارة المعلومات بعناية، حتى جاءت ساعة الصفر بينما كان عنصر المفاجأة فى أقصى درجاته.
وهنا تظهر عبقرية الرئيس الراحل أنور السادات السياسية، فقد أدرك أن المعركة لا تبدأ بإطلاق النار، وإنما تبدأ بإدارة المشهد قبلها. تحرك سياسيًا ودبلوماسيًا، وأدار التوازنات الدولية بحسابات دقيقة، ووضع الخصم فى حالة من الالتباس، حتى جاءت الحرب فى توقيت اختارته مصر، لا توقيتًا فرضه عليها الآخرون. لقد امتلك السادات شجاعة القرار، وذكاء المناورة، والقدرة على الجمع بين الهدف العسكرى والرؤية السياسية.
ولا يمكن الحديث عن أكتوبر دون التوقف أمام الروح المعنوية التى أعادت بناء الإنسان المصرى بعد نكسة 1967. كان الإعلام جزءًا من معركة استعادة الثقة، فالكلمة المسئولة، والصورة الوطنية، ونقل بطولات القوات المسلحة، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، كلها أسهمت فى بناء وعى جديد يقول للمصرى: إن ما حدث ليس نهاية التاريخ.
وهنا ندرك أن الإعلام فى الحروب ليس ناقلًا للأحداث فقط، بل إحدى أدوات القوة الناعمة وصناعة الوعى وحماية الروح الوطنية، عندما يلتزم بالصدق والمسئولية والمهنية.
وبعد 53 عامًا، يبقى السؤال الأهم: ماذا نتعلم من روح أكتوبر؟
نتعلم أن مصر تستطيع عندما تتوحد الإرادة، ويجتمع التخطيط مع العلم، والشجاعة مع الوعى، والقيادة مع الشعب. ونتعلم أن النصر لا يبدأ من الميدان فقط، بل يبدأ من عقل يؤمن بإمكانية تحقيقه، ومن وطن يعرف قيمة أبنائه.
إن أكتوبر ليست صفحة من الماضي، إنها منهج للحاضر ورسالة للمستقبل: لا مستحيل أمام أمة تعرف هدفها، وتحترم تاريخها، وتثق فى قدرتها على صناعة غدها.
تحية إلى جندى أكتوبر.. صانع المعجزة، وإلى كل من حمل راية مصر، لتبقى راية النصر مرفوعة فوق أرضها.