تأملات
وقاحة «سموتريتش»!
تكشف التصريحات التى أدلى بها وزير المالية الإسرائيلى سموتريتش منذ أيام عن جانب من العقلية التى تحكم تل أبيب تجاه مصر باعتبارها العقبة الأكبر أمام مخططات الدولة العبرية فى المنطقة، وأنه رغم أن القاهرة تمد يدها بالسلام إلا أن إسرائيل لا تقف فى نظرتها للخطر الماثل عليها عند حدود الأعداء المعلنين مثل حماس وحزب الله وإيران وإنما تمد الخط ليشمل أكثر القوى اعتدالا فى المنطقة. ففى تصريح يثير الدهشة أن يصدر من وزير يتولى منصبا فى الحكومة الإسرائيلية راح سموتريتش يحذر من أنه فى حال أقدمت مصر على مهاجمة إسرائيل فإنه لن تكون هناك سيناء.
التصريح يدور حول طرح افتراضى من التصور أنه غير قائم لأن هناك معاهدة سلام بين الدولتين منذ أكثر من أربعين عاما تعتبر فى منظور المتابعين لمثل هذا النوع من المعاهدات نموذجا مثاليا على حسن التطبيق بغض النظر عن أى سلبية هناك أو تحفظ هناك، ولم يصل الأمر بمصر مثلا فى أى مرحلة من المراحل أن لوّحت بالحرب رغم وجود العديد من التطورات التى ربما كانت تفرض ذلك. من ناحية ثانية فإن سموتريتش يريد أن يوحى وكأن مصر ملتزمة بالسلام خوفا من ضياع سيناء بشكل يفترض معه عدم قدرتها على حمايتها. لقد قدم خبراء عسكريون مصريون ردودا كافية وشافية على هذه الوقاحة بالإشارة إلى أن التزام مصر بالسلام ليس نتيجة خوف وإنما هو جزء من رؤية شاملة لها تقوم على تصورها لمصلحتها الوطنية وما تراه جزءا من استقرار المنطقة.
ورغم هدوء رد الفعل المصرى الرسمى والذى وصل إلى حد تجاهل ذلك التصريح حتى الآن، إلا أن الأمر ربما يتطلب اعتذارا من الحكومة الإسرائيلية باعتبار سموتريتش وزيرا بها، حيث يتضمن تصريحه نبرة عدائية تجاه دولة ذات علاقة مستقرة مع تل أبيب وتلتزم أقصى درجات ضبط النفس فى التعاطى مع أزمات المنطقة والتى تشعلها إسرائيل ومن بينها تلك المتعلقة بترتيبات ما بعد الحرب الإسرائيلية على غزة.
وبمنطق المخالفة تصور لو أن تصريحًا صدر من وزير مصرى تضمن لهجة عدائية تجاه إسرائيل كالإشارة مثلا إلى أن أى محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء سيعنى اختفاء تل أبيب من الوجود. لا يتطلب الأمر اجتهادا كثيرا لإدراك أن الدنيا قد تقوم ولا تقعد مع تسويق اتهامات عديدة لمصر ونواياها المستقبلية تجاه إسرائيل.
صحيح أن مصر فى مثل هذه القضايا لا تتحرك بمنطق الانفعال، ولكن فى كل الأحوال فإن هناك استخلاصات مهمة ربما يجب الخروج بها من هذا التصريح وهى أن هناك دوائر عدة فى إسرائيل ما زالت تضع مصر على رأس الخصوم التى يُخشى جانبهم، وهو الأمر الذى من المؤكد أنه لا يغيب عن أذهان صانع القرار وتجعله يرتب من الأوضاع ما يجعله مستعدا لأى تطور بشأنه أيا كان تطورا مفاجئا أو غير مفاجئ. هذا فضلا عن تصور أن سيناء تمثل نقطة ضعف يمكن استغلالها فى أى وقت سواء لتهجير الفلسطينيين أو سواء كأرض يتم احتلالها كما حدث فيما بعد حرب 67، وهو ما يفرض الإسراع بالخطة المصرية الرامية إلى تعمير سيناء على نحو ما أشرنا فى مقالات عديدة سابقة، بحيث تصبح قاهرة ثانية أو إسكندرية ثانية، على غرار ما يجرى فى العلمين الجديدة من مساعٍ لتعميرها وشغلها بالمواطنين، وهو أمر رغم أنه قائم فى سيناء إلا أنه لم يحقق حتى الآن الهدف المنشود فى ضوء محدودية الكثافة السكانية فى تلك البقعة الكبيرة من مصر.