الإذاعات الإقليمية.. فرصة ضائعة في ذكرى النصر| هل الأزمة في النفقات؟
اعتاد المصريون في ذكرى نصر أكتوبر أن يجدوا في الإذاعة المصرية صوتًا مختلفًا يلامس تفاصيل ذاكرتهم، ويحمل إليهم الأحداث الكبرى بلغة قريبة من حياتهم وبيئتهم، وهو الدور الذي رسخته الإذاعة على مدار عقود، باعتبارها واحدة من أهم أدوات تشكيل الوعي والوجدان المصري.
لكن احتفالات السادس من أكتوبر هذا العام تطرح سؤالًا حول أداء الإذاعات الإقليمية، مثل إذاعات القنوات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، وهل كان من الضروري أن تتشابه خريطة الاحتفال رغم اختلاف هوية كل إذاعة والجمهور الذي تخاطبه.
فكل إذاعة إقليمية لها خصوصيتها وارتباطها الجغرافي والإنساني بالمحافظة أو الإقليم الذي تمثله، وهو ما كان يمكن أن يمنح احتفالات أكتوبر مساحة أوسع من التنوع، بدلًا من الاكتفاء بقالب احتفالي متقارب بين أكثر من إذاعة، فلماذا لم تتحول كل إذاعة إلى مساحة لاستعادة الحكاية المحلية لنصر أكتوبر؟
وتساءل بعض المستمعين لماذا لا تستضيف كل إذاعة أبطال الحرب من أبناء المحافظة أو الإقليم التابع لها، أو أسر الشهداء والمقاتلين، للحديث عن تفاصيل ربما لا يعرفها كثيرون، ولماذا لا تستعاد قصص الجنود والضباط الذين خرجوا من تلك المحافظات إلى جبهات القتال، وكيف عاشوا الحرب، وكيف انعكست أحداثها على أسرهم ومجتمعاتهم المحلية، بما يخلق حالة من التنوع بدلًا من توحيد الشكل والمضمون.

وفسر البعض أن اللجوء إلى شكل احتفالي متقارب بين الإذاعات الإقليمية نوعًا من ترشيد النفقات والإمكانات، نظراً للأزمة الأخيرة التي ضربت عدد من برامج الهواء يوم الأحد الماضي على القناة الفضائية المصرية، بسبب أعطال في كابلات الكاميرات باستديو 1، في واقعة كشفت عن أزمة في ضعف الإمكانات وغياب التمويل اللازم، وذلك قبل حلها بتعليمات من الكاتب الصحفي أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.
ومنهم من قال أن الأمر يرتبط بطبيعة التخطيط البرامجي، أو أن زخم المناسبة لم يستغل بالشكل الكافي لإطلاق أفكار جديدة تتناسب مع خصوصية كل إذاعة.
هل تحتاج الإذاعات الإقليمية إلى استعادة المساحة الإبداعية التي صنعت هويتها في الأساس؟
الإذاعة المصرية ليست مجرد وسيلة لبث البرامج والأخبار، هي جزء أصيل من الذاكرة المصرية، وارتبط صوتها على مدار عقود بالمناسبات الوطنية والأحداث الكبرى، واستطاعت أن تصل إلى المواطن في بيته وشارعه ومكان عمله، وأن تجعل من الميكروفون مساحة للحكاية والمعلومة والمشاعر.
ولذلك فإن الرهان على الإذاعات الإقليمية لا ينبغي أن يكون فقط في قدرتها على نقل المناسبة، وإنما في قدرتها على إعادة اكتشافها من داخل مجتمعاتها.
نصر أكتوبر لم يكن حدثًا بعيدًا عن المحافظات والأقاليم، كان وراء كل جندي قصة، ووراء كل شهيد أسرة، ووراء كل بطل قرية أو مدينة أو محافظة تنتظر أن تُروى حكايتها.
ويظل تطوير هذا النهج فرصة أمام الإذاعة المصرية للاستفادة من تاريخها الطويل وخبراتها المتراكمة وقوة ارتباط جمهورها بها، عبر تقديم محتوى أكثر قربًا من المواطنين، وتحويل المناسبات الوطنية من مجرد فعاليات احتفالية إلى ذاكرة حية تستعيد قصص أصحابها وترتبط بالأماكن التي شهدت أحداثها.