"بقعة حمراء".. علياء الجريدي تفتّش في ذاكرة الصورة وتحولات الوعي الجمعي
يفتتح جاليري مصر بالزمالك، في السادسة مساء الأحد 11 أكتوبر 2026، معرض "بقعة حمراء" للفنانة التشكيلية علياء الجريدي، بحضور نخبة من الفنانين والنقاد والإعلاميين والشخصيات العامة، ويستمر المعرض حتى الثلاثاء 27 أكتوبر الجاري.

ويقدم المعرض تجربة بصرية وفكرية تتأمل العلاقة بين الصورة والذاكرة والوعي الجمعي، وتبحث في الكيفية التي يمكن أن تتحول بها صورة عابرة أو علامة صغيرة إلى حضور مؤثر يعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم وإلى ذواتنا.
من علامة عابرة إلى حالة تفرض حضورها
وقال محمد طلعت، مؤسس جاليري مصر، إن "البقعة الحمراء" في مشروع علياء الجريدي لا تظهر في البداية بوصفها تهديدًا، وإنما تنشأ وسط الفراغ وتستدعي الفضول وربما البهجة؛ فقد يراها أحدهم زهرة، بينما يتخيلها آخر شمسًا صغيرة، قبل أن يبدأ التحول تدريجيًا.
وأضاف أن الناس يعتادون وجودها، ثم تتكاثر، لتنتقل من مجرد علامة إلى شيء يُمنح معنى وقيمة وسلطة، إلى أن تكشف في النهاية عن طبيعتها، فيصبح الذين ظلوا ينظرون إليها جزءًا منها.
وأوضح طلعت أن قوة المشروع تنبع من هذه المفارقة؛ إذ يأتي الفهم في اللحظة التي تكون فيها المسافة الضرورية للفهم قد اختفت، وهو ما يفتح أمام المتلقي سؤالًا مركزيًا: «متى يتحول ما نراه إلى ما نصبح عليه؟»
الخيط.. جرح يلتئم وذاكرة لا تختفي
وأشار مؤسس جاليري مصر إلى أن الجريدي تبني أعمالها من القماش والخيط وتراكمات الصورة المادية، لتفتح مساحات للتأمل في الذاكرة والهشاشة والتعافي، وفي العلاقة بين ما نحمله داخلنا وما تتركه التجربة على أجسادنا ووعينا.
وتحمل الخياطة في أعمال الفنانة مفارقة لافتة؛ فهي تصل بين حافتين، لكنها لا تفعل ذلك من دون ثقب القماش، لتصبح كل غرزة في الوقت نفسه أثرًا لجرح وقرارًا بالوصل، وكأن العمل الفني يحتفظ بتاريخ ما تمزق بقدر ما يحتفظ بإمكانية إعادة بنائه.
ولفت طلعت إلى أن عنوان «بقعة حمراء» يتجاوز دلالة اللون أو الشكل البصري، إذ يمكن أن تكون البقعة أثرًا للحياة، أو علامة جرح، أو بذرة في طور النمو، أو إنذارًا لم ندرك معناه بعد.
وفي كل الحالات، تبدأ البقعة كشيء نراه من الخارج، قبل أن يختبر المعرض إمكانية تسللها إلى الوعي، وتحولها إلى جزء من تكويننا الداخلي والجمعي.
علياء الجريدي.. الفن بوصفه سؤالًا اجتماعيًا
تعد علياء الجريدي من الفنانات المصريات اللاتي تتسم تجربتهن بالتنوع في الوسائط والأساليب، إذ تمتد ممارستها الفنية إلى التجهيز في الفراغ، والفيديو، والرسم، والمجوهرات، إلى جانب الممارسات القائمة على النسيج والخامة.
وتسعى الجريدي من خلال تجربتها إلى خلق مساحات لإعادة النظر في المدخلات والمسلمات التي تصوغ طبيعة العلاقات المعاصرة بين البشر، وفي الكيفية التي تتشكل بها الذاكرة الفردية والجماعية داخل المجتمع.
ومنذ عام 1998، اتجه جانب أساسي من ممارستها الفنية إلى توظيف الفن بوصفه مدخلًا للتحول الاجتماعي والمشاركة المجتمعية، فيما شاركت عام 2013 في تأسيس «جمعية جدران للفنون والتنمية»، التي اهتمت بالعمل مع المجتمعات المهمشة، وبخاصة النساء، من خلال تنمية المهارات وتعزيز المشاركة الإبداعية.
حضور دولي وجوائز فنية
أقامت الجريدي وشاركت في العديد من المعارض والمشروعات الفنية داخل مصر وخارجها، في دول من بينها الكاميرون والسنغال وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا والسويد والنمسا، كما دُعيت عام 2007 لإلقاء كلمة ضمن فعاليات الدورة الثانية والخمسين من بينالي فينيسيا.
وحصلت على جائزة بينالي القاهرة للتجهيز في الفراغ عام 1995، ومنحة الأكاديمية المصرية للفنون في روما عام 1997، وجائزة مكتبة الإسكندرية عام 2007.
ومن أبرز معارضها ومشاركاتها «رحلة عبر الزمن» بجاليري مصر عام 2021، و«إعادة تصور» بجاليري مصر عام 2023، و«جسم الإنسان» ضمن النسخة الثالثة من حي القاهرة الدولي للفنون عام 2023، و«حوار العرب» بقلعة صلاح الدين في العام نفسه.
كما شاركت خلال عام 2025 في عدد من الفعاليات والمعارض، من بينها أسبوع الرياض الفني، ومعرض «هن» في الرياض، ومعرض «1-54» للفن الأفريقي المعاصر في لندن، و«أبوظبي للفن».
ويأتي معرض «بقعة حمراء» ليشكل فصلًا جديدًا في تجربة علياء الجريدي، حيث لا تعود الصورة مجرد شيء يُرى، وإنما تتحول إلى أثر مادي ونفسي، ومساحة لاختبار العلاقة بين الإدراك والذاكرة، وبين الجرح والالتئام، وبين الفرد وما يصنعه الوعي الجمعي من صور وقناعات.


