نقاد يفككون «بلاغة الألم» وحركة الوعي الشعري في ديوان سمية عبدالمنعم
قال نقاد إن ديوان «مسارات باتجاه الروح» للشاعرة والكاتبة سمية عبد المنعم يتجاوز التقسيم الشكلي لمساراته الثلاثة ("الأنا"، "هو"، "ليس هو") ليقدم حركة وعي شعري مركبة وبناءً فنياً يعتمد على التجريب، ورؤية عميقة تتفاعل فيها الذات المتألمة مع الآخر والمجتمع وعوالم الطبيعة والكون.
جاء ذلك خلال ندوة مناقشة ديوان «مسارات باتجاه الروح» للكاتبة والشاعرة، الزميلة سمية عبد المنعم، والتي استضافها بيت الشعر العربي، بإدارة الشاعر سامح محجوب، والتابع لصندوق التنمية الثقافية، ضمن فعاليات «منتدى بيت الشعر العربي»، وناقشه الشاعران الناقدان عيد عبد الحليم وأمل سالم، وأدارها الإعلامي عمرو الشامي، بحضور حشد من المثقفين والشعراء والإعلاميين.

وتأتي مناقشة هذا العمل بوصفه الديوان الأوّل بالفصحى للشاعرة سمية عبد المنعم، والتي تجمع في تجربتها بين الشعر والقصة والكتابة الصحفية والنقدية، وصدر لها ثمانية إصدارات متنوعة، وحصلت على عدد من الجوائز الأدبية، بينها جائزة عبد الغفار مكاوي من اتحاد كتاب مصر، وجائزة الكتاب الذهبي في شعر العامية من روزاليوسف، ومنحة التفرغ من وزارة الثقافة.
بداية وصف الإعلامي عمرو الشامي ديوان «مسارات باتجاه الروح» بأنه عمل ممتع يحتاج من القارئ معاودة القراءة والتروي لاستجلاء العلاقات المركبة بين نصوصه ونسقه الكلي.
وأكد الشامي وجود وحدة عضوية واضحة ترتبط بها كافة القصائد رغم التقسيم الثلاثي، موضحا أن العنوان يثير جملة من الأفكار والقضايا حول ماهية الروح والمسارات المصيرية التي تؤول إليها الذات الشاعرة في مواجهتها للواقع والكون.
وأوضح أن التقسيم الثلاثي يحمل نوعاً من «المخاتلة الفنية»، مشدداً على أن التأويل يتطلب قدر حرية وعدم الخضوع للتأطير الشكلي الحاد؛ إذ يكتظ المسار الأول بالحضور المتبادل للآخر وجدليته مع المدينة والمجتمع.
وتابع لافتاً إلى وجود حقل دلالي بارز يتشكل من مفردات الطبيعة (كالنجمة والنهر والبحر) كمجازات تجريدية تتجاوز الطابع الرومانسي المباشر.

واختتم الشامي بالتشديد على دور "القارئ التفاعلي" الذي يعد شريكاً أساسياً يساهم بخياله في فك شفرات النصوص وبناء الفضاءات الفنية التي تركتها الشاعرة.
فيما قال الشاعر والناقد عيد عبد الحليم إن هذا الديوان هو التجربة الأولى بالشعر الفصيح للشاعرة سمية عبد المنعم، ويتميز بحالة من التجريب على مستوى الكتابة والمضمون الشعري، موضحا أن المسارات الثلاثة يربطها مشترك رؤيوي أطلق عليه «بلاغة الألم»، مشيراً إلى أن الألم متوطن في تكوين الإنسان وأشد عمقاً من الحزن العارض، حيث يتدرج بالديوان من الألم الذاتي الناتج عن التحولات الشخصية إلى «ألم كوني» يتسع لموقف اجتماعي وسياسي ومعرفي من العالم والمدينة، وهو ما يجسد تطور قصيدة النثر الحديثة.

وتابع عيد مؤكدا أن الكاتبة تعتمد على الصورة الشعرية وبنية الوصف والانفتاح على الطبيعة بشكل عفوي يحيل النص إلى فضاء من التخيل والحفر بعمق في الدلالة.
وأضاف أن مسار «هو» يقدم خطاباً متعدداً للآخر يبتعد عن فكرة "الجحيم المطلق" ليستدعي الذكرى وتأمل الفقد، فيما يمثل مسار «ليس هو» (والذي يضم 28 نصاً) رؤية عامة للحياة والإنسانية ومحاورة الذات للذات.
أما الشاعر والناقد أمل سالم فقال إن البنية الثلاثية للديوان ("أنا"، "هو"، "ليس هو") ليست مجرد ترتيب شكلي للقصائد، إنما تحمل في طياتها حركة الوعي الشعري الذي ينطلق من الذات نحو الآخر، ثم يمر في مساره الثالث إلى منطقة الالتباس والغياب، وأوضح سالم أن هذا الانتقال يتيح قراءة نفسية أكثر عمقاً تتبع حركة الرغبة والوعي والكبت والغياب، وتتجاوز التفسير الفرويدي التقليدي إلى أبعاد وجدانية أوسع.

وتابع مشيراً إلى أهمية قراءة عتبتي العنوان والإهداء بوصفهما تحملان المفاتيح الأساسية لدخول قصائد الديوان وتعكسان الحالة الشعورية المسيطرة عليه.
وشهدت الندوة مداخلات نقدية وثنائية من عدد من الكُتّاب والشعراء الحاضرين، من بينهم: الكاتب سعيد أبوضيف، الشاعرة نجلاء السيد، الكاتبة مروة عبد الفتاح، والشاعر تامر هلالي، والذين أشادوا بالتنوع الدلالي والعمق التعبيري للنصوص.
واختُتمت الفعالية بالتأكيد على أن ديوان «مسارات باتجاه الروح» يشكل انطلاقة ومساراً إبداعياً جديداً في التجربة الأدبية للشاعرة سمية عبد المنعم، بما يطرحه من حوارية بين الذات والكون، وما يختزنه من تجريب لغوي وفني يفتح أفقاً ممتداً أمام المتلقي لإعادة القراءة والاكتشاف.