مراجعات
التجربة الصينية!
عندما نتحدث عن «الزواج» في مصر، نكتشف بسهولة أنه قد طرأت عليه «تحديثات جديدة»، ولم يعد «سُنَّة»، بل «مشروعًا اجتماعيًّا»، يبدأ بـ«قائمة طلبات» وينتهي بـ«قائمة منقولات»، ثم ندخل مرحلة جديدة ومختلفة من تداعيات «اقتصاد المشاعر»!
خلال الفترة الماضية ـ مع انتشار حملة «لا لتجهيز الرجل المصري» ـ تداولت مِنَصَّات التواصل الاجتماعي قصصًا غريبة وغير مألوفة، عن زواج مصريات برجال صينيين، وسط تحذيرات من هذا السلوك ودوافعه ومخاطره، لنصل إلى قناعة مفادها أن البحث عن «شريك حياة» أصبح مرتبطًا بِكَمٍ معقد من الحسابات!
يقينًا، لم تعد أزمة الزواج في مصر بسبب عدم وجود «الآخر» المناسب، بقدر ما هي نتاج أزمات اقتصادية وأعراف اجتماعية، وبالتالي لا يمكننا القول إن «المصرية» تتزوج «الصيني» لأنه الأفضل، أو أن الشاب المصري فقد فرصته كمنافس قوي لمواصفات نظيره «التايواني»!
بكل أسف، أصبح هناك عزوف واضح وتخوف كبير لدى الشباب في خوض التجربة، ودخول «سوق الزواج»، بسبب التعقيدات والمبالغات، التي تبدأ بالشقة والأثاث، مرورًا بالأجهزة الكهربائية والذهب والفرح، وليس انتهاء بقائمة المنقولات والمؤخر.. إضافة إلى «مطالب» أخرى تظهر فجأة أثناء «التفاوض»!
لعل الأكثر سخرية أن مجتمعنا «المحافظ»، يريد من الشاب أن يكون «راجل» أو «سوبر هيرو»، قادرًا على تلبية كافة الاحتياجات الأساسية والفرعية والثانوية، وما يُستجد من بنود ومتطلبات.. أي نُطالبه بأن يعيش بإمكانيات القرن الحادي والعشرين، ويتحمل فاتورة الزواج كاملة، وفقًا لعقلية القرن الماضي!
أما عن تلاقي الحكايتين «المصرية/ الصينية»، فقد وصلنا إلى مرحلة تخطت فيها العولمة التبادل التجاري ونقل السلع والبضائع والتكنولوجيا، وصولًا إلى ما هو أبعد من «العريس» نفسه، بعد أن أصبح «الصيني» أحد أطراف المعادلة، في سوق عابرة للقارات!
بالطبع، لا تقدم البيانات الرسمية المتاحة رقمًا حديثًا دقيقًا، يمكن معه الحديث عن «موجة» أو «ظاهرة» بالمعنى الإحصائي، عن زواج مصريات من رجال صينيين، ولذلك لا يمثل الزواج من أجانب نسبة كبيرة، حيث شهد العام 2024 تسجيل «2528» عقد زواج من عرب و«أجانب» مقيمين في مصر، من بين «932856»، أي أن «العريس الأجنبي» ما زال استثناء، مهما بدا حضوره كبيرًا على مِنَصَّات التواصل الاجتماعي!
ربما تابع كثيرون فيديوهات لأزواج «مصريين وصينيين» تُصَدِّر أجواء مختلفة من «الحب الذي هزم المسافات»، ثم تبدأ «ماكينة السوشيال ميديا» في صناعة انطباع بأن المصريات أصبحن فجأة مطلوبات في الصين، أكثر من المطلوبين في سوق العمل!
أخيرًا.. بعيدًا عن الاختلاف الهائل في اللغة والعادات والدين ونوعية الطعام وطبيعة الأسرة ومكان الإقامة والقوانين، وحتى تصور كل طرف لمعنى الزواج نفسه، إلا أنه يجب التوقف أمام أخطر ما في الحكاية، وهي أن «السوشيال ميديا» تستطيع أن تجعل الاستثناء يبدو كقاعدة!
فصل الخطاب:
إذا كانت «العولمة» ألغت الحدود أمام التجارة، فليكن «الزواج» آخر ما تبقى من الأشياء التي لا يجب أن تُلغى فيها حدود العقل، لأنه حين يصبح «صفقة»، تكون «المودة والرحمة» البند الأكثر «غموضًا» في العقد.