حكم الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر..الإفتاء: "إحياء الانتصار شكر لله وتكريم للشهداء"
تزامنًا مع ذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، يتجدد كل عام سؤال حكم الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر، خاصة مع حرص المصريين على إحياء ذكرى السادس من أكتوبر وتكريم أسر شهداء الواجب الوطني، بينما يرى البعض أن الاحتفال بهذه المناسبات لا أصل له في الشرع.
وحسمت دار الإفتاء المصرية هذه المسألة، مؤكدة أن الاحتفال بذكرى النصر أمر مشروع ومستحب، لما يحمله من معاني شكر الله تعالى على نعمة النصر، والاعتراف بفضل من بذلوا أرواحهم دفاعًا عن الوطن.
تحسم حكم الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر
أكدت دار الإفتاء المصرية أن حكم الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر هو الجواز والاستحباب، موضحة أن إحياء هذه الذكرى يدخل في باب تذكر نعم الله تعالى وأيامه، خاصة أن النصر أعاد لمصر وأهلها الأمن والاستقرار، وجاء بعد تضحيات كبيرة قدمها أبناء الوطن.
وأوضحت دار الإفتاء أن الاحتفال لا يقتصر على إظهار الفرح، وإنما يتضمن كذلك معاني الشكر لله، والوفاء للشهداء، ومواساة أسرهم، وإبراز النماذج الوطنية التي قدمت التضحيات من أجل رفعة الوطن.
«وذكرهم بأيام الله».. لماذا ترتبط الذكريات بالنعم؟
استندت دار الإفتاء في بيانها إلى قول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، موضحة أن اختلاف الأيام وتعاقب السنوات يحمل للإنسان دروسًا وعبرًا، خاصة عندما ترتبط بعض الأيام بنعم عظيمة أو أحداث فارقة.
ونقل بيان دار الإفتاء عن الإمام الطبري في تفسيره أن المقصود بأيام الله تذكير الناس بما سبق من نعم الله عليهم في الأيام الماضية.
ومن هذا المنطلق، فإن أيام النصر تعد من أبرز المناسبات التي يمكن استحضارها للتذكير بنعمة الله وشكره عليها، خاصة عندما يكون أثر النصر ممتدًا إلى المجتمع بأكمله.
الفرح بالنصر من شكر النعمة
وأوضحت دار الإفتاء أن الشرع لم يمنع الإنسان من الفرح بنعم الله، بل دعا إلى الفرح بفضله ورحمته، مستشهدة بقول الله سبحانه وتعالى:﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
كما استشهدت بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، وبحسب الفتوى، فإن إظهار أثر النعمة والفرح بها من صور شكر الله تعالى، ما لم يصاحب ذلك رياء أو عجب، ويزداد هذا المعنى وضوحًا عندما تكون النعمة عامة ينتفع بها المجتمع كله.
النصر الوطني.. فرحة تتجاوز الفرد
لا ترى دار الإفتاء أن الفرح بالنصر الوطني مسألة فردية، لأن انتصار الوطن وأمنه واستقراره ينعكس على حياة جميع أبنائه.
وأكدت أن ارتباط الإنسان بوطنه من أخص المشاعر الإنسانية، وأن سلامة الوطن ورفعته وانتصاره من النعم التي تستحق الشكر والفرح.
ومن هنا، فإن ذكرى السادس من أكتوبر لا تمثل مجرد تاريخ في التقويم، وإنما مناسبة يستعيد فيها المصريون معاني الأمان والسيادة والتضحية، ويتذكرون ما قدمه أبناء الوطن من أجل استعادة الأرض.
عاشوراء.. شاهد شرعي على تذكر أيام النجاة
ومن الأدلة التي استندت إليها دار الإفتاء في بيان مشروعية تذكر أيام النصر والنجاة، قصة يوم عاشوراء.
فقد أخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سأل عن سبب صيامهم أخبروه بأنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى عليه السلام وأغرق فرعون وقومه، فصامه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بصيامه.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ»، والحديث رواه الإمام البخاري.
وتستدل دار الإفتاء من ذلك على مشروعية استحضار النعم المرتبطة بأيام معينة وتذكرها، وشكر الله عليها.
القرآن الكريم خلّد أيام النصر
وأشارت دار الإفتاء إلى أن القرآن الكريم نفسه ذكر عددًا من وقائع النصر والفتح، ومنها نصر المسلمين في بدر، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123].
كما قال سبحانه عن يوم حنين:﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25].
وقال تعالى عن فتح مكة:﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1].
وترى دار الإفتاء أن استحضار هذه الوقائع في القرآن الكريم يؤكد أهمية تذكر أيام النصر وما تحمله من دروس وعبر وشكر لله تعالى.
هل تكريم أسر الشهداء من مقاصد الاحتفال؟
من أبرز الجوانب التي أكدت عليها دار الإفتاء أن الاحتفال بذكرى النصر يتضمن تكريم شهداء الوطن وأسرهم، والاعتراف بما قدموه من تضحيات.
ويستند هذا المعنى إلى قول الله تعالى:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].
كما استشهدت الدار بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»، الذي رواه الإمام مسلم، في بيان أن ثناء الناس على صاحب العمل الصالح يمكن أن يكون من عاجل بشرى المؤمن.