«هكذا تكلمت السينما».. ندوة بمعرض دمنهور تستعرض تاريخ السينما المصرية
شهد معرض دمنهور التاسع للكتاب، الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب بمكتبة مصر العامة، تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، ندوة بعنوان «هكذا تكلمت السينما»، تناولت أحدث إصدارات الكاتب الصحفي والباحث محمود دوير، الصادر ضمن سلسلة «آفاق السينما» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقدمها الشاعر وسام زين الدين، بمشاركة الناقد السينمائي الدكتور مجدي حافظ.

بداية، استهل محمود دوير الندوة بالتأكيد على أن السينما تمثل أحد أهم مكونات القوة الناعمة المصرية، وأسهمت على مدار تاريخها في صناعة نفوذ ثقافي واسع، لما تمتلكه من قدرة كبيرة على التأثير في المجتمع وتشكيل الوعي. ورغم التراجع الذي أصاب الصناعة خلال العقود الماضية، فإن السينما، بحسب دوير، ستظل مرآة حقيقية لواقع المجتمع، وديوانًا للحياة المعاصرة يمكن من خلاله رصد تطور الإنسان ومراحله المختلفة، وأنماط معيشته وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وأشار إلى أن الباحث في العلوم الاجتماعية يستطيع الاستعانة بالفن السابع بوصفه مصدرًا مهمًا لفهم أحوال المجتمع وعاداته وتقاليده، والوقوف على تفاصيل حياة الناس، إلى جانب الدراما التلفزيونية التي شهدت تطورًا ملحوظًا وأصبحت تحتل مكانة بارزة في المشهد الثقافي والفني.
وتناول دوير تاريخ السينما المصرية، موضحًا أن مصر عرفت السينما في توقيت قريب من بداياتها عالميًا، مع اختلاف المؤرخين حول تاريخ انطلاقها؛ فبينما يرى بعضهم أن البداية الفعلية كانت عام 1917 مع إنتاج فيلمي «الشرف البدوي» و«الأزهار القاتلة»، يرجع آخرون البداية إلى عام 1895، مع عرض أفلام الأخوين لوميير. إلا أن الرأي الأول ظل الأكثر حضورًا في كتابة تاريخ السينما المصرية.
كما استعرض مراحل تطور الصناعة، مشيرًا إلى تأسيس طلعت حرب «ستوديو مصر» عام 1935، باعتباره أول شركة للإنتاج السينمائي، حيث بدأ بإنتاج أفلام قصيرة ونشرات إخبارية عن الأحداث في مصر تُعرض في دور السينما قبل الأفلام. وكان فيلم «وداد» لأم كلثوم من أبرز إنتاجات الشركة في عام 1935، فيما مثل فيلم «العزيمة» عام 1939 محطة مهمة في تاريخ السينما المصرية.

ثم انتقل إلى مرحلة إنشاء المؤسسة العامة للسينما عام 1962، التي أسهمت في تطوير مستوى الإنتاج وربط الأعمال الفنية بقضايا الوطن والمجتمع. وتميزت تلك المرحلة بأفلام تناولت الفقر والعمل والقيم الوطنية والانتماء والمساواة، كما ناقشت قضايا الفساد والرشوة والسرقة والسلبية، والديمقراطية والمقاومة والارتباط بالأرض، فضلًا عن رصد كفاح المصريين ضد الملكية والاستعمار.
وأشار دوير إلى أن السينما شهدت في السبعينيات أفلامًا انتقدت سياسات الانفتاح، من بينها فيلم «على من نطلق الرصاص» عام 1975 للمخرج كمال الشيخ، إلى جانب أعمال تناولت بالنقد فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر.
ومع بداية الثمانينيات ظهرت موجة «الواقعية الجديدة»، التي برز فيها مخرجون مثل عاطف الطيب، ورأفت الميهي، وخيري بشارة، ومحمد خان، وداود عبد السيد. وشهدت تلك الفترة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الأفلام، بالتزامن مع انتشار ظاهرة «أفلام المقاولات» ذات الميزانيات المحدودة والمستوى الفني المتواضع، والتي استهدفت بدرجة كبيرة سوق الفيديو في دول الخليج، حتى بلغ الإنتاج ذروته عام 1986 بنحو 95 فيلمًا.
وفي التسعينيات تراجعت ظاهرة أفلام المقاولات، خاصة بعد انخفاض الطلب الخليجي عقب حرب الخليج الأولى، وظهر جيل جديد من المخرجين، من بينهم رضوان الكاشف وأسامة فوزي وسعيد حامد. كما برزت في النصف الثاني من العقد موجة «المضحكين الجدد» والأفلام الكوميدية المرتبطة بمفهوم «السينما النظيفة»، وهو ما أسهم في عودة الجمهور، خاصة الشباب، إلى دور العرض وانتعاش سوق السينما.
وتناول دوير تحولات السينما المصرية في الألفية الجديدة، وتراجع دور القطاع العام مقابل هيمنة الإنتاج الخاص، مع إعلان وزارة الثقافة عام 2007 تمويل عدد من الأفلام ذات القيمة الفنية المتميزة. كما ناقشت الأفلام خلال العقد الثاني من الألفية قضايا الفقر والطبقات المهمشة والمخدرات والعنف والدعارة، وهو ما أثار جدلًا حول تأثير السينما في الشباب والمجتمع.

من جانبه، تناول الناقد السينمائي الدكتور مجدي حافظ علاقة السينما بالظواهر الاجتماعية، متسائلًا: «أيهما يصنع الآخر، الفن أم المجتمع؟»، مستعرضًا نماذج سينمائية تناولت العنف، وأحلام البسطاء المجهضة، وحقوق الإنسان، والانتحار، وصراع العلم والخرافة، وأوضاع أطفال الشوارع، والاحتفال برأس السنة، وحياة الفلاح المصري.
كما ناقشت الندوة تجربة الأدباء في السينما، وفي مقدمتهم نجيب محفوظ، الذي لم تقتصر علاقته بالسينما على تحويل أعماله الروائية إلى أفلام، مثل «اللص والكلاب» و«ميرامار» و«زقاق المدق»، وإنما كتب أيضًا سيناريوهات لعدد من الأفلام، منها «بين السما والأرض» و«لك يوم يا ظالم» و«جعلوني مجرمًا». وتناولت الندوة كذلك تجارب المخرجات نادية حمزة وإيناس الدغيدي وأسماء البكري، ومفهوم «السينما النظيفة»، إلى جانب قضية التابوهات والمحظورات في السينما.

واختتمت الندوة بالإشارة إلى السينما المستقلة بوصفها نافذة للأمل، لما تتميز به من تحرر نسبي من القيود التجارية وقدرتها على تقديم محتوى أكثر إبداعًا وحرية. وفي هذا السياق، توقف المشاركون أمام النجاح الدولي للفيلم التسجيلي «رفعت عيني للسماء» للمخرجين أيمن الأمير وندى رياض، الذي حصد جائزة العين الذهبية لأفضل فيلم وثائقي في الدورة الـ77 من مهرجان كان السينمائي، ليصبح أول فيلم مصري يفوز بهذه الجائزة.
ويتناول الفيلم تجربة فرقة «بانوراما برشا» المسرحية في إحدى قرى مركز ملوي بمحافظة المنيا، والتي أسستها يوستينا سمير، وتضم مجموعة من الفتيات اللاتي قدمن عروضًا غنائية واستعراضية في قرى صعيد مصر، متحديات حملات التنمر والرفض، في تجربة فنية وإنسانية نجح الفيلم في نقلها إلى جمهور العالم، مؤكدًا قدرة السينما على الانتصار للإنسان وصناعة البهجة والحياة.