بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الشيخ محمد عمران.. ابتهالات نادرة في ذكرى صاحب صوت حيرَّ كبار الموسيقين

الشيخ محمد عمران
الشيخ محمد عمران

في ذكرى رحيل الشيخ محمد عمران، لا تبدو قصته مجرد سيرة لقارئ ومبتهل مصري ترك وراءه تسجيلات خالدة، وإنما تكشف مسيرته عن تجربة فنية استثنائية تشكلت من تداخل القرآن الكريم مع علم المقامات والإنشاد والموشحات، حتى أصبح صوته قادرًا على الانتقال بين مساحات صوتية متعددة والتعبير عن المعنى بأسلوب خاص، وهو ما لفت انتباه كبار الموسيقيين في عصره، وعلى رأسهم الموسيقار محمد عبد الوهاب.
 

لم يبدأ من الإذاعة.. بل من عالم المقامات

اللافت في رحلة الشيخ محمد عمران أن تكوينه لم يتوقف عند حفظ القرآن وتجويده، إذ انتقل في طفولته إلى القاهرة والتحق بمعهد للمكفوفين، وتلقى دراسة مرتبطة بالقراءات والإنشاد والموشحات وعلم النغم والمقامات الموسيقية.

وكان لهذا التكوين أثر واضح في شخصيته الفنية فيما بعد، فلم يكن يستخدم المقام باعتباره مجرد وسيلة لإظهار جمال الصوت، وإنما وظفه في التعبير عن الكلمات والمعاني، وهي السمة التي جعلت أداءه مختلفًا عن كثير من أصوات عصره.

 

النقشبندي كان محطة مهمة في تكوينه

ومن الزوايا التي تكشف جانبًا مختلفًا من شخصية محمد عمران علاقته المبكرة بالشيخ سيد النقشبندي، الذي كان له تأثير في مسيرته، خاصة أن النقشبندي كان موجودًا في طهطا خلال فترة من حياته.

وبحسب رواية نجله محمود محمد عمران، تأثر والده بالنقشبندي، كما شجعه على الانتقال إلى القاهرة، وهناك اتسعت دائرة معارفه الفنية، وبدأ يتعلم بصورة أكثر تخصصًا في مجال الإنشاد والمقامات.

وهكذا لم تكن رحلة عمران مجرد انتقال جغرافي من سوهاج إلى القاهرة، وإنما كانت انتقالًا من مرحلة الموهبة الفطرية إلى مرحلة التكوين والتعلم وصناعة الأسلوب.

من مسجد شركة حلوان إلى أذن كبار الموسيقيين
 

قبل أن يصبح اسمه معروفًا على نطاق واسع، عمل الشيخ محمد عمران في شركة حلوان للمسبوكات، وكان قارئًا للقرآن الكريم في مسجد الشركة، وهناك بدأ صوته يلفت انتباه العمال والمحيطين به.

ومع انتشار اسمه، تقدم إلى اختبارات الإذاعة المصرية في بداية سبعينيات القرن الماضي، واجتاز اختبار الأداء واعتمدته الإذاعة مبتهلًا.

لكن قصة عمران مع الإذاعة لم تكن هي النهاية، وإنما كانت بداية مرحلة أوسع أتاحت لصوته الوصول إلى جمهور أكبر، وجعلته يشارك في برامج دينية واحتفالات ومناسبات مختلفة، إلى جانب تسجيل عدد كبير من الابتهالات والأناشيد.

لماذا اهتم محمد عبد الوهاب بصوت محمد عمران؟
 

ربما تكون هذه واحدة من أكثر المحطات إثارة في سيرة محمد عمران؛ فقد وصل صوته إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي أعجب بقدراته الصوتية، وتعاون معه في عدد من الأعمال والابتهالات.

وتشير مصادر عدة إلى أن عمران تعاون كذلك مع كبار الملحنين، من بينهم سيد مكاوي وحلمي أمين، بينما تناولت دراسة منشورة في «الأهرام» طبيعة أدائه، مشيرة إلى مهارته في اختيار المقامات والانتقال بينها واستخدام الحليات الصوتية بما يخدم المعنى.

وهنا تحديدًا تظهر خصوصية تجربة عمران؛ فهو لم يكن مجرد صاحب صوت قوي، وإنما صاحب معرفة بكيفية تشكيل هذا الصوت، ومتى يرتفع، ومتى يهدأ، وكيف ينتقل من مقام إلى آخر بما يتناسب مع الجملة التي يؤديها.

صوته لم يكن منفصلًا عن المعنى

من أهم ما يمكن ملاحظته عند الاستماع إلى تسجيلات الشيخ الراحل أن قوة صوته لم تكن الهدف الوحيد في أدائه.

فالباحثون الذين تناولوا تجربته أشاروا إلى قدرته على استخدام مناطق الرنين المختلفة، واختيار المقامات والأنغام للتعبير عن معاني الكلمات، فضلًا عن الحليات والانتقالات المقامية المفاجئة، وهي عناصر جعلت أداءه في الابتهال قائمًا على التفاعل بين الكلمة والصوت.

ولهذا ظل عمران حاضرًا في ذاكرة المستمعين؛ لأن صوته لم يكن مجرد حنجرة قوية، وإنما كان يحمل شخصية واضحة يمكن تمييزها من الجملة الأولى.

نجله يكشف: والدي أدخل مقامات جديدة على التلاوة
 

وفي شهادة لافتة، تحدث محمود محمد عمران، نجل الشيخ الراحل، عن تجربة والده، مؤكدًا أنه لم يكن مجرد مبتهل، بل كان له تأثير في مجال التلاوة نفسها.

وقال إن والده طور في التلاوة وأدخل عليها نغمات لم تكن موجودة من قبل، معتبرًا أنه كان امتدادًا لمدرسة الشيخ محمد محمود رمضان، كما تحدث عن تأثره بالنقشبندي وتكوينه الموسيقي.

وتكشف هذه الشهادة عن جانب مهم من التجربة، وهو أن عمران لم يكن حريصًا فقط على تقديم أداء جميل، بل كان صاحب شخصية فنية لها بصمتها في طريقة التعامل مع الصوت والمقام.

«أسماء الله الحسنى».. صوت عمران في الذاكرة الإذاعية

ارتبط اسم الشيخ محمد عمران بعدد من التسجيلات الدينية التي لا تزال متداولة حتى اليوم، ومن بينها «أسماء الله الحسنى» و«أدركنا يا الله»، إلى جانب عدد من الابتهالات والأدعية والتترات الخاصة بالأعمال الدينية.

كما شارك في إحياء مناسبات دينية مختلفة، وسجلت إذاعات عربية تلاوات وابتهالات بصوته، وهو ما ساعد على انتشار تجربته خارج مصر أيضًا.

وتحتفظ وزارة الأوقاف نفسها بجانب من هذا التراث، إذ نشرت ضمن موادها التراثية ابتهال الشيخ محمد عمران «يا عين جودي بالدموع وودعي شهر الصيام»، في إشارة إلى استمرار حضور صوته ضمن الذاكرة الدينية والإذاعية المصرية.