العقيد حلمى زكى يكشف أسرار أيام الترقب والتجهيز لاقتحام وعبور القناة:
خطة التمويه والخداع الاستراتيجى بدأت بتوزيع المجموعات على ضفاف القناة لممارسة صيد الأسماك والأنشطة الرياضية
نشرنا الملابس على مسافة لا تتجاوز 200 متر من نقاط الرصد الإسرائيلية
العبور فى حرب أكتوبر المجيدة كان عبورًا لوطننا الغالى مصر من الهزيمة إلى النصر واسترداد الأرض والعرض
«لست أظنكم تتوقعون منى أن أقف أمامكم لكى نتفاخر معًا ونتباهى بما حققناه فى أحد عشر يومًا من أهم وأخطر بل وأعظم وأمجد أيام تاريخنا، وربما جاء يوم نجلس فيه معًا لا لكى نتفاخر ونتباهى، ولكن لكى نتذكر وندرس ونعلم أولادنا وأحفادنا جيلًا بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه ومرارة الهزيمة وآلامها وحلاوة النصر وآماله، نعم سوف يجيء يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا الأمانة وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء».
نعم صدق الرئيس محمد أنور السادات حين قال فى خطابه الشهير بعد ١١ يومًا من الحرب، وهو خطاب النصر «سوف يجيء يوم نجلس فيه لنقص، ونروى، ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا الأمانة»، ونحن اليوم نجلس لنستمع لذكريات الانتصار العظيم الذى أعاد الأرض، والكرامة، وقضى على أسطورة الجيش الذى لا يقهر، وجعله مضطرًا للجوء إلى السلام، وتسليم الأرض، بعد أن أوجعته الضربات، والخسائر فى العتاد والأرواح، وفي إطار التوثيق التاريخى لبطولات القوات المسلحة المصرية، يتحدث العقيد أركان حرب م. حلمى زكى عبدالعزيز، أحد أبطال العبور خلال حرب أكتوبر المجيدة، ويؤكد البطل المصرى أن الجيش المصرى، عزم خلال الـ٦ سنوات التى سبقت الحرب، على إعادة بناء نفسه، وكان الثأر من هزيمة ٦٧ هو الشغل الشاغل داخل عقول كل ضابط وجندى مصرى، وهو يرى العدو يحتل الأرض على الضفة الشرقية للقناة، ويشير العقيد حلمى زكى إلى أن الترتيبات التكتيكية والميدانية التى سبقت اندلاع الحرب وما تلاها من أحداث حاسمة، كانت مؤشرات ميدانية لاقتراب العملية العسكرية، من حيث حجم الحشد غير المسبوق لمختلف الأسلحة خلال المناورة الأخيرة، مع استدعاء مكثف لكوادر الاحتياط فى التخصصات الحرجة، وفى مقدمتها سلاح الصواريخ والمدفعية المضادة للدبابات، فضلاً عن إبقاء تلك القوات والعتاد بمواضع متقدمة قرب الجبهة عقب انتهاء التدريبات وعدم إعادتها إلى ثكناتها.
ومع حلول الأول من شهر أكتوبر، تحول الترقب إلى يقين حاسم لدى القوات عقب صدور الفتوى الشرعية من مفتى الجمهورية بجواز الإفطار للقوات المرابطة على الخطوط الأمامية فى نهار رمضان، لتنطلق فور ذلك تعليمات صارمة بتنفيذ خطة خداع ميدانى دقيقة على مستوى الكتائب؛ حيث وُزعت المجموعات على ضفاف القناة لممارسة صيد الأسماك والأنشطة الرياضية ونشر الملابس على مسافة لا تتجاوز 200 متر من نقاط الرصد الإسرائيلية، لإعطاء انطباع كامل باعتيادية الموقف، وتبديد أى شكوك لدى العدو حتى لحظة الصفر.
يوم العبور
ويقول البطل المصرى العقيد حلمى زكى: لقد كنا على يقين أن شيئاً ما يدور خلف الكواليس، ولكننا كنا نتدرب فقط، وفى قلوبنا إصرار على مواصلة الجهد والعرق، لتنفيذ كافة مهام التدريب، وفى تمام الساعة الحادية عشرة صباح السادس من أكتوبر، صدرت التعليمات السرية المباشرة عبر المظروف المغلق الذى حدد الجدول الزمنى للتوقيتات الحاسمة، بدءًا من انطلاق ضربة الطيران العارضة فى تمام الساعة الثانية ظهرًا بـ220 طائرة حربية حققت طفرة فى العلوم العسكرية بنسبة خسائر لم تتجاوز 5 طائرات بفضل خطة الخداع الاستراتيجى التى وضعها العقيد أركان حرب أحمد نبيه، والتنسيق الدقيق للعقيد أركان حرب صلاح نحلة، يعقبها التمهيد المدفعى المكثف فى الثانية وعشر دقائق، وتعالت صيحات كل جبهة القتال، بصيحات الله أكبر، والطيران المصرى يهجم على الضفة الشرقية، ويدك تمركزات العدو وحصونه، ثم بدء اقتحام القناة لسلاح المشاة فى الثانية والعشرين دقيقة.
واستطاعت القوات التغلب على المعوقات الدفاعية المركبة، حيث نفذت عناصر الضفادع البشرية عملية مسبقة ليلة الخامس من أكتوبر لإغلاق مواسير مادة «النابالم» الحارقة شديدة اللزوجة كليًا باستخدام أسمنت حديدى معالج، بالتوازى مع استغلال المصاطب الترابية التى وجه الفريق سعد الدين الشاذلى بإنشائها غرب القناة لتوفير التغطية النارية الكثيفة ضد فتحات خط بارليف لمنع استهداف القوات العابرة، واعتلاء الساتر الترابى البالغ ارتفاعه 22 مترًا بزاوية ميل حادة باستخدام السلالم الخشبية والقوارب المطاطية، حتى تحقق الهدف المباشر بالوصول إلى عمق 3.5 كيلومتر داخل سيناء وتراجع المدرعات الإسرائيلية شرقًا.
تضحية وفداء
وعن الفوارق الإنسانية والشجاعة والتضحيات التى كانت من أجل تراب الوطن، أكد العقيد حلمى زكى، أن المواجهات الميدانية شهدت مشاهد فارقة من التضحية والصمود، كان أبرزها الفارق الزمنى الذى لم يتجاوز 15 ثانية بينى وبين وزميلى الشهيد محمد الخضرى أثناء استهداف موقعنا بدانة مدفعية حسمت الموقف لصالح نجاتى واستشهاد زميلى البطل. وتجلت المسئولية العسكرية فى اليوم التالى للعبور؛ حيث كُلفت بمهمة انتحارية لإعادة إمداد الكتيبة بالذخيرة واستلام خمس شاحنات عبر الكبارى المقامة حديثًا، وعند تعرض القافلة لإطلاق نار كثيف من نقطة الدفرسوار القوية، اتخذت قرارًا بالمناورة بمركبتى القيادية الخاصة لجذب النيران نحو مركبتى والتمويه على موقع الشاحنات، ما أسفر عن تعرضى لإصابة مباشرة لكننى نجحت فى تأمين وصول الذخيرة لنحو ألف جندى لمواصلة القتال.
تحديات العبور
وفى ختام حديثه أكد العقيد حلمى زكى، أن العبور فى حرب أكتوبر المجيدة كان عبوراً لوطننا الغالى مصر، من الهزيمة إلى النصر، واسترداد الأرض، والعرض، وأن البطولات التى حققها أبطال أكتوبر، للحفاظ على تراب مصر، هى ما ترسخت قيمها، إلى جيل ما بعد أكتوبر، وأن هذه البطولات تظل امتدادًا لروح المسئولية الوطنية التى تجسدت لاحقًا فى جهود القوات المسلحة لمكافحة الإرهاب بسيناء فى العملية الشاملة عام 2018، إلى جانب مشروعات التنمية المستدامة والبنية التحتية والموانئ والمدن الجديدة التى ينفذها الشباب المصرى باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن مصر واستقرارها الإقليمى.