بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

السادس من أكتوبر.. أغلى انتصار فى تاريخ مصر

اليوم السادس من أكتوبر، أغلى يوم فى تاريخ مصر، حيث حقق الجيش المصرى أغلى انتصار على العدو الإسرائيلى، واسترد أرضه بعد ست سنوات من هزيمة يونيو 1967.

والحقيقة أنه عندما نبدأ فى سرد أحداث هذه الحرب، يجب ألا ننسى البدايات.

ففى اليوم الأسود على تاريخ مصر، يوم 5 يونيو 1967، كنت ضابطًا صغيرًا برتبة ملازم أول، عائدًا لتوى من حرب اليمن، لأجد نفسى وسط آلاف من زملائى على خط الحدود مع إسرائيل فى منطقة الكونتال، نهرب من نيران العدو التى تلاحقنا من كل مكان، بعد أن جاءتنا تعليمات بالانسحاب من حرب لم نحصل فيها على فرصة حقيقية لمواجهة العدو.

وواصلت الانسحاب حتى وصلت إلى غرب قناة السويس عبر ممر متلا، وفى الساعة الخامسة يوم 9 يونيو جاء إعلان عبدالناصر التنحى، وأمامنا العلم الإسرائيلى يرفرف على الضفة الشرقية للقناة.

وعشت بعد ذلك مرارة الهزيمة والانكسار، وألم التهجير الذى عانت منه أسرتى التى تعيش فى موطن رأسى ببورسعيد. وأتذكر والدى، الذى اضطرنى إلى أخذ إجازة لمدة يوم واحد لإقناعه بأن يغادر بورسعيد، بعدما يئس إخوتى من إقناعه.

ثم جاءت ذكريات حرب الاستنزاف، التى دامت ست سنوات، وحارب فيها الجيش المصرى بطولات ما زالت محفوظة فى التاريخ، مثل معركة رأس العش وعملية إغراق المدمرة إيلات، التى غيّرت من مفاهيم العلوم العسكرية البحرية فى العالم.

وخلال هذه السنوات الست، كنت أتدرج فى رتبتى العسكرية من ملازم أول حتى وصلت إلى رتبة النقيب، وكنت شاهدًا من موقعى على الشاطئ الغربى للقناة على عملية بناء العدو الإسرائيلى لـ«خط بارليف».

وكنت أرى جنود العدو وهم يسيرون فيه مختالين بأنفسهم، سعيدين بنصر فى معركة لم يواجهوا فيها شرف القتال، وأسأل نفسى كل يوم: متى نعبر القناة؟ ومتى تعود أرض سيناء الحبيبة إلى حضن أمها مصر؟

وخلال هذه السنوات تعلمنا الكثير من فنون الحرب، تطبيقًا للمقولة إن «الحرب تعلم الحرب». وتدربنا على الأسلحة الجديدة التى وصلت من الاتحاد السوفيتى، وبدأنا التدريب على عبور الموانع المائية فى بحيرة قارون وعلى أفرع نهر النيل.

واليوم أحمد الله أنه أعطانى العمر، ليس فقط لأشهد اليوم الذى عادت فيه سيناء الحبيبة إلى مصر، ولكنه منحنى الفرصة لأكون شاهدًا على تفاصيل حرب أكتوبر 1973 منذ أن كانت خطة تحمل اسم «التوجيه 41».

فعندما كنت طالبًا فى كلية القادة والأركان، شاء لى القدر أن أكون ضمن فريق الدارسين الذى عُهد إليه بمناقشة «التوجيه 41» بقيادة الفريق سعد الدين الشاذلى، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وهو التوجيه الذى لم تكن لدينا أى فكرة فى ذلك الوقت أنه خطة حرب أكتوبر 1973 لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف.

ثم جاءت مفاجأة القدر السعيدة الثانية، عندما تم اختيارى لأكون أصغر ضابط فى غرفة عمليات حرب أكتوبر 1973، غرفة العمليات المركزية لقيادة الحرب، بجوار كبار قادة معركة النصر، بداية من الرئيس محمد أنور السادات، وقادة الأسلحة والقوات، لأوثق معركة النصر لحظة بلحظة.

وعشت داخل غرفة العمليات لحظات النصر، بدءًا من نجاح الضربة الجوية، ثم اقتحام الجنود المصريين قناة السويس فى القوارب المطاطية خلال 12 موجة، وسقوط نقاط خط بارليف ورفع العلم المصرى عليها، وقيام قواتنا بصد احتياطيات العدو المدرعة التى حاولت تدمير القوات المصرية بعد عبورها القناة.

ثم جاء الليل لتبدأ الكبارى فى العبور، وتبعتها الدبابات والمدفعية، وخلال ثلاثة أيام أصبح لدينا 200 ألف مقاتل على الضفة الشرقية لأرض سيناء الغالية.

وبعد حرب أكتوبر مباشرة، جاء سفرى إلى كلية كمبرلى الملكية لأركان الحرب فى إنجلترا. وهناك وجدت نفسى فى كل محاضرة عن الهجوم أو الدفاع أو القتال التصادمى أسمع المدرس ينادى قائلًا: «الرائد سمير من مصر، تفضل واشرح لنا كيف حقق المصريون مبادئ الحرب خلال حرب أكتوبر؟».

فقد كان الجميع يدرك أن المصريين حققوا معجزة فى تطبيق مبادئ الحرب، من خلال عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، أكبر مانع دفاعى فى التاريخ العسكرى الحديث.

وقد شاء الله لى ألا تتوقف معاركى بعد انتصار أكتوبر المجيد، لأجد نفسى فى أحد الأيام جالسًا فى مقر قناة BBC البريطانية فى لندن، أواجه القائد الإسرائيلى الجنرال شارون فى مناظرة تم نقلها على الهواء مباشرة.

وكانت لجنة التحكيم تضم كبار الخبراء العسكريين فى واحد من أهم مراكز الدراسات الاستراتيجية فى العالم، لأمثل الجيش المصرى وأروى شهادتى للعالم كله عن كيف صنعت مصر معجزة أكتوبر 1973.

ومن كل ذلك، قررت أن أكتب شهادتى على حرب أكتوبر العظيمة، ليس لنا فقط، ولكن للأجيال الجديدة من شعب مصر، لكى يتعرفوا كيف صنع رجال الجيش وشعب مصر هذا النصر العظيم.

وهكذا كانت حرب أكتوبر 1973 علامة فارقة فى تاريخ العسكرية المصرية، حيث حقق الجيش المصرى أعظم انتصاراته، واستعاد لمصر أرضها الغالية.

 

Email: [email protected]