بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

نصر اكتوبر المجيد: جذور في عمق التاريخ، درع الحاضر، ومنارة للمستقبل

تعد حرب السادس من أكتوبر المجيدة عام 1973، والتي وافقت العاشر من رمضان، علامة فارقة في تاريخ العسكرية العالمية ونقطة تحول كبرى في وجدان الأمة العربية بأكملها، حيث جاءت لتغسل عار الهزيمة وتسترد الكرامة الوطنية والعربية بعد سنوات مريرة من الانكسار والاحتلال عقب نكسة يونيو 1967. ووسط سياق إقليمي ودولي معقد، كانت أصوات الخبراء العسكريين في الشرق والغرب تتفق على مقولة واحدة شاعت كحقيقة مطلقة مفادها أن "الجيش المصري لن يستطيع اقتحام قناة السويس ولا عبور خط بارليف الحصين"، مستندين إلى افتراضات هندسية وعسكرية ظاهرها الاستحالة؛ إذ كان خط بارليف يمثل مانعاً مركباً يجمع بين قناة السويس بعمقها وعرضها ومياهها المتدفقة، وستر ترابي شاهق الارتفاع يرتفع لعشرات الأمتار وبميل حاد يمنع تسلق الدبابات أو الجنود، فضلاً عن خط دفاعي محصن بالخرسانة المسلحة، والأنابيب القادرة على ضخ النيران والزيوت المشتعلة على سطح الماء لتحويل القناة إلى جحيم لا يطاق، إلى جانب شبكة من الإنذار المبكر ومراكز القيادة والسيطرة المنيعة. غير أن الإرادة المصرية أثبتت أن القواعد العسكرية الصماء يمكن كسرها حين تتوفر العقول الإبداعية والقلوب المؤمنة بحق الوطن، فحطم الجيش المصري تلك الأسطورة الزائفة في ساعات معدودة محققاً معجزة العبور التي أبهرت العالم وأربكت حسابات العدو الذي وجد دفاعاته الحصينة تتهاوى تحت أقدام جندي مصري يؤمن بشعار "الله أكبر" ويندفع باذلاً روحه فداءً لأرضه.
​ولم يكن هذا النصر وليد الصدفة، بل كان ثمرة تخطيط علمي دقيق وإعداد طويل وشاق استمر لسنوات على كافة المستويات، حيث تضافرت جهود كافة أسلحة القوات المسلحة المصرية في سيمفونية قتالية متقنة ومتكاملة؛ فقد انطلقت المدفعية المصرية الباسلة في تمهيد نيراني هائل وغير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة، حيث أمطرت مواقع العدو وتحصيناته ونقاطه الحصينة بآلاف القذائف في دقائق معدودة، مما أدى إلى شلل تام في مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية، وعزل خط بارليف عن أي إمدادات أو دعم خلفي، فضلاً عن إسكات المدفعية المعادية تماماً وحرمانها من التدخل في عمليات العبور الأولى. وفي ذات اللحظة، كانت القوات الجوية المصرية تسجل صفحات من المجد والبطولة عبر تنفيذ الضربة الجوية الأولى الخاطفة التي استهدفت مطارات العدو، ومحطات الرادار، ومراكز القيادة، وبطاريات الصواريخ في سيناء، مما أفقده القدرة على توجيه أي رد فعل فعال في الساعات الحرجة الأولى، وبرزت في سماء المعركة أساطير جوية خالدة تجسدت في أبطال القوات الجوية، وفي مقدمتهم اللواء طيار أحمد المنصوري، صاحب أطول معركة جوية في تاريخ الحروب الحديثة (معركة المنصورة الجوية)، والتي أظهر فيها شجاعة ومهارة قتالية نادرة في الذود عن سماء الوطن وقهر التفوق العددي للعدو.
​وعلى الجبهة الأخرى، لعبت القوات البحرية المصرية دوراً محورياً لا يقل أهمية، حيث أحكمت السيطرة على السواحل المصرية وفرضت حصاراً بحرياً محكماً على الملاحة الإسرائيلية في البحرين الأحمر والمتوسط، وشاركت بفعالية في قصف وتدمير الأهداف الحيوية للعدو على الساحل وتأمين خطوط الإمداد، متجاوزة كافة التحديات البحرية لتثبت جاهزية عالية وكفاءة منقطعة النظير. ووسط هذا التناغم العسكري البديع، تجلت العبقرية المصرية الهندسية حين تغلبت القوات على المانع المائي والسد الترابي بفضل الفكرة العبقرية والمبتكرة التي تقدم بها اللواء باقي زكي يوسف، والتي اعتمدت على استخدام خراطيم المياه ذات الضغط العالي لإحداث ثغرات في الستر الترابي الصخري المنيع في ساعات معدودة وبأقل خسائر ممكنة، وهو ما سمح بفتح ممرات لعبور القوات. وقد تحققت هذه المعجزة بفضل السواعد الفولاذية لجنود المشاة الأبطال، جنود مصر الأوفياء الذين عبروا القناة في قوارب مطاطية تحت نيران العدو وتحت ستار الدخان، وتسلقوا السد الترابي المشتعل بأجسادهم العارية لتنفيذ المهام المستحيلة، متوجين هذه الشجاعة النادرة بلحظة الفخر الكبرى حين رفع الجندي المصري العلم المصري بيده على الضفة الشرقية لقناة السويس معلناً عودة الأرض وكسر كبرياء المحتل.
​وفي خضم هذه الملحمة الخالدة، تجسدت أعظم معاني الوحدة الوطنية والتماسك الفريد، حيث امتزجت دماء الجندي المصري المسلم بدماء أخيه الجندي المصري المسيحي على تراب سيناء الطاهر، ليقفا جنباً إلى جنب في خندق واحد يدافعان عن عقيدة الوطن وكرامته دون تفرقة أو تمييز. لقد أثبت الجيش المصري من خلال ملحمة أكتوبر المجيدة أنه درع الوطن وسيفه، وأن الإرادة المصرية والنسيج الوطني الواحد قادران على صنع المعجزات وتحويل المستحيل إلى حقيقة ماثلة للعيان، لتظل هذه الذكرى الخالدة مصدراً للإلهام وقوة الدفع للأجيال المتعاقبة، ومثالاً ساطعاً على أن التخطيط السليم، والتكاتف الوطني، والإيمان العميق بالنصر هي السبيل الدائم للحفاظ على سيادة الوطن ورفعة شأنه في الحاضر والمستقبل.