أكتوبر.. حين عبر المصريون .. وانكسر المستحيل
ليست كل الحروب تُقاس بعدد الدبابات التي دُمّرت ، ولا بعدد الطائرات التى سقطت ، ولا بالمساحات التى تحررت . هناك حروب يكون أعظم انتصار فيها أن يستعيد الإنسان إيمانه بنفسه بعد أن حاول الآخرون إقناعه بأنه انكسر ولن ينهض.
وهكذا كان نصر أكتوبر المجيد .
في السادس من أكتوبر ١٩٧٣ لم تعبر القوات المصرية قناة السويس فقط ، وإنما عبرت فوق جسر من اليأس والخوف والشكوك، وفتحت في جدار المستحيل ثغرة لم تكن إسرائيل تتصور أن المصريين قادرون على فتحها.
كانت السنوات التى سبقت أكتوبر ثقيلة على مصر.. هزيمة ١٩٦٧ تركت جرحا عميقا فى الذاكرة المصرية والعربية ، واحتلت إسرائيل سيناء ، وأصبح الحديث عن استرداد الأرض يبدو عند البعض أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.
لكن مصر لم تستسلم ..وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لم يكن سلاح أكتوبر هو الطائرات والدبابات والمدفعية وحدها ، كان هناك سلاح أكثر أهمية هو : إرادة الإنسان المصرى..جندى يقف على الضفة الغربية للقناة وهو يعرف أنه مقبل على مهمة قد لا يعود منها ، ومع ذلك يتقدم العسكرى المصرى البطل يبحث عن طريقة لتحطيم الساتر الترابى الذى ظن العدو أنه حصن لا يُقهر .. قائد يخطط في صمت .. وأم مصرية تودع ابنها ولا تعرف إن كانت ستراه مرة أخرى..وفلاح وعامل وموظف وطالب خلف الجبهة ، كل منهم كان يؤدى دوره فى معركة وطنية واحدة..أكتوبر لم يكن انتصار جيش فقط ، وإنما كان انتصار دولة وشعب وإرادة..الأكثر إثارة في قصة أكتوبر أن المصريين لم ينتصروا لأن الطريق كان سهلا ، بل لأنهم قرروا أن الصعوبة ليست قدرا أبديا .
كان خط بارليف بالنسبة للعدو أكثر من مجرد ساتر ترابى ، كانت هناك فكرة مسيطرة بأن الجيش الإسرائيلي لا يُهزم ، وان قناة السويس حاجز لا يمكن عبوره ، وان سيناء أصبحت أمرا واقعا.
فجاء المصريون فى السادس من أكتوبر ليقولوا للعالم كله : لا يوجد احتلال أبدى، ولا مستحيل أمام إرادة الشعوب..ولذلك بقى أكتوبر حيا بعد أكثر من نصف قرن.
ليس لأنه ذكرى عسكرية نحتفل بها كل عام ، وإنما لأنه درس مصرى خالد فى كيفية صناعة النصر .
درس يقول لنا ان الأمم لا تسقط عندما تتعرض للهزيمة ، وإنما تسقط عندما تصدق أن الهزيمة أصبحت قدرها.
ومصر في أكتوبر رفضت أن تصدق .
رفضت أن تعيش أسيرة لصورة الهزيمة.
رفضت أن تقبل الاحتلال باعتباره حقيقة نهائية.
فخططت وتدربت ، وصبرت وخاضت حرب الاستنزاف ، وأعادت بناء قواتها ، وانتظرت حتى جاءت اللحظة .. وفي لحظة العبور تغير التاريخ.
إن أعظم ما فى أكتوبر ليس فقط أن العلم المصرى عاد إلى سيناء ، وإنما أن المصرى استعاد ثقته بنفسه.
عاد المصرى ينظر إلى نفسه باعتباره قادرا على الفعل ، لا مجرد متلقٍ للأحداث.
ومن هنا فإن الاحتفال بأكتوبر يجب ألا يتحول إلى أغنيات وشعارات وصور عابرة ، ثم نعود بعدها إلى حياتنا وكأن شيئا لم يكن.
فالوطن الذى صنع النصر بالإرادة والانضباط والعلم والتخطيط يستطيع أن يصنع انتصارات أخرى فى الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والصناعة والزراعة وكل ميادين الحياة.
وكما عبر الجندى المصرى قناة السويس تحت وابل النيران ، علينا اليوم أن نعبر نحن أيضا قنوات الفقر والجهل والبيروقراطية والفساد والإحباط.
من يؤمن بقدرته على الانتصار، ويملك العلم والإرادة والصبر ، يستطيع أن يغير واقعه..لهذا سيظل السادس من أكتوبر يوما مختلفا فى الذاكرة المصرية.
يوما لم تنتصر فيه مصر على عدوها فقط ، وإنما انتصرت فيه على الخوف.
انتصر فيه الإنسان المصرى على الصورة التي أراد البعض أن يضعه داخلها.
وفى كل عام ، عندما تعود ذكرى أكتوبر ، لا ينبغي أن نسأل فقط : ماذا فعل أبطال أكتوبر ؟ بل يجب أن نسأل أنفسنا أيضا :
ماذا بقى فينا من روح أكتوبر ؟ ..فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضى وحدها ، وإنما تجعل من أمجادها وقودا لصناعة المستقبل .
رحم الله شهداء مصر الذين دفعوا الثمن، وحفظ أبطالها، وحفظ مصر التى أثبتت فى أكتوبر ٧٣ أن الأمة التي تعرف ماذا تريد ، وتملك إرادة تحقيقه ، تستطيع أن تجعل من المستحيل بداية للنصر.. سلاما على أكتوبر.. وسلاما على رجال عبروا القناة ، فعبر بهم التاريخ إلى المجد.