خبير: مصر تتحرك لنقل التعاون الأفريقي من التشاور السياسي إلى مشروعات ومبادرات عملية
تتحرك مصر على أكثر من مسار لتعزيز حضورها داخل القارة الأفريقية، بالتزامن مع استضافة مدينة العلمين الجديدة للاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي، الذي فتح المجال أمام سلسلة من اللقاءات والمباحثات حول قضايا اقتصادية وسياسية وأمنية تتجاوز حدود القارة لتلامس ملفات إقليمية ودولية شديدة الحساسية.
وجاءت التحركات المصرية في وقت تواجه فيه القارة الأفريقية تحديات متزايدة، بداية من الصراعات والأزمات الأمنية، مرورًا بالحاجة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والاستثماري، وصولًا إلى تداعيات الأزمات في السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، إلى جانب القضية الفلسطينية، بما يفرض تكثيف التنسيق بين الدول الأفريقية والتجمعات الاقتصادية الإقليمية.
الاقتصاد والاستثمار في صدارة التحركات المصرية:
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد عبدالعظيم الشيمي، أستاذ العلاقات الدولية، أن التحركات المصرية تعكس رؤية تقوم على الربط بين الأمن والتنمية، وتسعى إلى الانتقال بالتعاون الأفريقي من إطار التشاور السياسي إلى مشروعات ومبادرات عملية يمكن أن تحقق مردودًا مباشرًا على شعوب القارة.
وأوضح الشيمي، أن لقاءات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع قادة غانا وجنوب أفريقيا والسنغال تعكس توجهًا مصريًا لتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، بالتوازي مع استمرار التشاور السياسي بشأن القضايا الأفريقية والإقليمية.
وأشار إلى أن مجالات البنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا والطاقة والزراعة تمثل محاور أساسية يمكن من خلالها دعم التكامل بين الدول الأفريقية، خاصة في ظل ما تمتلكه القارة من موارد وإمكانات اقتصادية كبيرة تحتاج إلى مزيد من التعاون والاستثمار.
ولفت إلى أن تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الدول الأفريقية لا يقتصر على زيادة حجم التبادل التجاري، وإنما يمتد إلى تنفيذ مشروعات مشتركة، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، وخلق فرص استثمارية جديدة تسهم في دعم معدلات النمو والتنمية.
تنسيق مصري غاني قبل رئاسة الاتحاد الأفريقي:
وتطرق أستاذ العلاقات الدولية إلى أهمية العلاقات المصرية الغانية، خاصة مع استعداد غانا لتولي رئاسة الاتحاد الأفريقي خلال عام 2027، مؤكدًا أن التنسيق بين القاهرة وأكرا يمكن أن يمثل عنصرًا مهمًا في دعم عدد من الملفات المطروحة على أجندة الاتحاد.
وأوضح أن التعاون بين البلدين يمكن أن يشمل قضايا إصلاح مؤسسات الاتحاد الأفريقي، وتعزيز جهود السلم والأمن، ودعم مسارات السلام والتنمية وإعادة الإعمار، إلى جانب المساهمة في جهود فض النزاعات داخل القارة.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب توافقًا أكبر بين الدول الأفريقية بشأن آليات التعامل مع الأزمات، بما يعزز قدرة الاتحاد الأفريقي على القيام بدور أكثر فاعلية في منع الصراعات وتسوية النزاعات.
السودان حاضر بقوة على الأجندة:
ويأتي الملف السوداني ضمن أبرز القضايا التي تحظى باهتمام مصري وأفريقي، في ظل استمرار الأزمة التي ألقت بتداعياتها على أمن واستقرار المنطقة.
وأكد الشيمي أن الموقف المصري يقوم على دعم وحدة الدولة السودانية وسيادتها وسلامة أراضيها، مشيرًا إلى رفض التعامل مع الكيانات الموازية أو الجماعات المسلحة التي تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة.
وحذر من أن استمرار حالة الانقسام والصراع داخل السودان لا تقتصر تداعياتها على الداخل السوداني، وإنما يمكن أن تمتد إلى دول الجوار والمنطقة بأكملها، بما يجعل دعم الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية أولوية إقليمية.
وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية الجنوب أفريقية، أشار الشيمي إلى إشادة رئيس جنوب أفريقيا بالموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، معتبرًا أن ذلك يعكس وجود مساحة واسعة للتنسيق بين القاهرة وبريتوريا بشأن الملف الفلسطيني.
وأوضح أن هذا التنسيق يجمع بين الجهود المصرية في مجال الوساطة وإدخال المساعدات الإنسانية ورفض التهجير، وبين المسار القانوني الذي تقوده جنوب أفريقيا في المحافل الدولية.
وأكد أن توحيد المواقف الأفريقية تجاه القضية الفلسطينية يمكن أن يمنح القارة مساحة أكبر للتأثير في النقاشات الدولية، خاصة في ظل استمرار تداعيات الأزمة الإنسانية والسياسية في المنطقة.
القرن الأفريقي والبحر الأحمر:
وامتد الحراك المصري إلى منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، من خلال القمة التشاورية التي تجمع مصر وإريتريا والسودان والصومال، والتي تستهدف بحث التطورات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
وأوضح الشيمي أن أهمية هذا المسار ترتبط بالطبيعة الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وما تشهده من تحولات وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية متسارعة.
وكانت الرئاسة المصرية قد أعلنت مشاركة قادة الدول الأربع في قمة العلمين التشاورية، لمناقشة عدد من القضايا الإقليمية، بما يعكس توجهًا نحو بناء آليات مباشرة للتنسيق بين الدول المعنية.
وأكد أستاذ العلاقات الدولية أن هذا المسار يمكن أن يسهم في فتح قنوات جديدة للتشاور، ودعم الاستقرار الإقليمي، والتعامل بصورة أكثر تنسيقًا مع التحديات التي تواجه دول المنطقة، بما يحافظ على مصالح شعوبها ويعزز أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.