بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين تمتلك المرأة قرارها

اناقتك النفسية

 

ليس تمكين المرأة أن تتحدث أكثر، ولا أن تكون موجودة في الصورة فقط. التمكين الحقيقي يبدأ في اللحظة التي تستطيع فيها أن تفكر، وتختار، وتقول رأيها، ثم تتحمل مسؤولية اختيارها.

فالمرأة التي لا تملك قرارها، قد تكون حاضرة في كل شيء… وغائبة عن حياتها.

وقد يبدو الحديث عن القرار أمر بسيط، لكنه يبدأ من تفاصيل صغيرة: ماذا تدرس؟ هل تعمل؟ كيف تدير مالها؟ من تختار شريكًا لحياتها؟ كيف تربي أبناءها؟ ومتى تقول نعم أو لا؟

حين تكبر الفتاة وهي معتادة أن هناك دائماً من يعرف مصلحتها أكثر منها، قد تتعلم الطاعة قبل أن تتعلم الاختيار. وعندما تصل إلى موقف يحتاج قرار حقيقي، قد تجد نفسها تبحث عن شخص يخبرها ماذا تفعل، لا لأنها أقل قدرة، وإنما لأنها لم تتدرب بما يكفي على استخدام قدرتها.

وهنا تظهر مسؤولية الأسرة.

فحماية الفتاة لا تعني اتخاذ كل القرارات نيابة عنها. والنصيحة لا تعني إلغاء رأيها. والخوف عليها لا ينبغي أن يحرمها من الخبرات التي تتعلم من خلالها كيف تفكر وتختار وتراجع نفسها.

فالقرار مهارة، والمهارة لا تنمو من دون ممارسة و تدريب.

والمرأة التي تمتلك قرارها ليست المرأة التي ترفض كل رأي أو تعتبر الاستقلال خصومة مع الآخرين. على العكس، النضج أن تسمع النصيحة، وتسأل أهل الخبرة، وتراجع البدائل، ثم تعرف في النهاية أن عليها تحمل مسؤولية ما اختارته.

فالاستقلال الحقيقي ليس أن تفعل ما تريد، وإنما أن تعرف لماذا اخترته، وأن تكون مستعدة لتحمل نتائجه.

وهذا مهم داخل الزواج أيضاً.

الشراكة لا تعني أن ينتصر طرف على الآخر، ولا أن تكون القرارات ساحة لإثبات من الأقوى. الأسرة الأكثر توازن هي التي يستطيع فيها الزوجان مناقشة القرار، والاختلاف حوله، والوصول إلى ما يخدم الأسرة دون أن يختفي صوت أحدهما.

فالمرأة التي تشارك في قرارات بيتها لا تنتزع مكانة من الرجل، والرجل الذي يحترم رأي زوجته لا يفقد مكانته. الشراكة لا تسحب القوة من أحد؛ إنها تجعل القرار أكثر نضج لأن أكثر من عقل شارك في صناعته.

ويمتد الأثر إلى الأبناء.

فالطفل الذي يرى أمه تفكر وتسأل وتختار وتتحمل نتيجة اختيارها، لا يتعلم فقط صورة مختلفة عن المرأة، وإنما يتعلم درس أعمق عن المسؤولية نفسها. والفتاة التي ترى صوت أمها حاضر داخل الأسرة تتعلم أن رأيها له قيمة، والولد الذي ينشأ على احترام هذا الصوت يتعلم أن قوة الرجل لا تحتاج إلى إلغاء المرأة.

ومن هنا يصبح الأمر أكبر من قرار شخصي.

فالمرأة تشارك في تشكيل اختيارات الأسرة، وتعليم الأبناء، وإدارة الموارد، والعمل، والمجتمع. وكلما امتلكت قدرة أكبر على اتخاذ قرار واع، امتد أثر هذا القرار إلى دائرة أوسع من حياتها وحدها.

لكن امتلاك القرار يحتاج تدريب عملي وليس شعارات. ويمكن البدء بقاعدة بسيطة: قبل أي قرار مهم، اسألي نفسك ثلاثة أسئلة: ماذا أريد؟ لماذا أريده؟ وما النتيجة التي أستطيع تحمل مسؤوليتها؟ ثم استمعي للنصيحة دون أن تسلمي لأحد مهمة الاختيار كاملة.

فالهدف ليس أن نصنع امرأة لا تحتاج إلى أحد، وإنما امرأة تستطيع أن تكون مع الآخرين دون أن تفقد صوتها بينهم.

والمجتمع لا يستفيد من امرأة تتبع القرار فقط، كما لا يستفيد من رجل ينفرد به دائماً. المستقبل يحتاج إلى عقول قادرة على التفكير، وشخصيات قادرة على الاختيار، وأسر تعرف أن المشاركة لا تهدد أحد.

حين تمتلك المرأة قرارها، لا يتغير مستقبلها وحدها… تتغير الطريقة التي تبني بها أسرتها، وتربي بها أبناءها، وتشارك بها مجتمعها.

ولهذا، حين تمتلك المرأة قرارها، تصبح شريكًا كاملًا في صناعة المستقبل.