بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بعد تأجيل تطبيقه لمدة عام:

قانون الإجراءات الجنائية.. حقوق الإنسان أولا

بوابة الوفد الإلكترونية

كان الأول من أكتوبر 2026 موعدًا تستعد له منظومة العدالة الجنائية فى مصر منذ صدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، بعد عقود طويلة ظل خلالها القانون الصادر عام 1950 هو الإطار المنظم لإجراءات التحقيق والمحاكمة.

وقبل ساعات من هذا الموعد، تبدل المشهد التشريعي؛ إذ وافقت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب على إرجاء تطبيق القانون لمدة عام، ليبدأ التطبيق فى 1 أكتوبر 2027

هذا التأجيل لا يغيّر طبيعة القانون ولا يلغى ما يتضمنه من أحكام، لكنه يمنح مؤسسات العدالة عامًا إضافيًا للاستعداد لتطبيق القانون الذى ينظم جانبا واسعا من الإجراءات التى تمس المواطن بصورة مباشرة، بدءًا من القبض والاستجواب وتفتيش المنازل، مرورًا بالحبس الاحتياطى وبدائله وحق الدفاع، وصولًا إلى الإعلان الإلكترونى والتحقيق والمحاكمة عن بُعد.

ويأتى إرجاء الموعد فى وقت تحمل فيه المنظومة الجديدة تحولًا واضحًا نحو استخدام التكنولوجيا داخل الإجراءات الجنائية، بما يجعل جاهزية البنية التقنية والتجهيزات اللازمة جزءًا أساسيًا من عملية الانتقال إلى القانون الجديد.

وخلال هذا العام، تبقى أحكام القانون الجديد حاضرة باعتبارها الإطار التشريعى الذى تستعد الدولة لتطبيقه، بينما تستمر الإجراءات الحالية وفق القواعد النافذة إلى حين حلول موعد بدء العمل بالتشريع الجديد

ضمانات

وفى قلب هذه المرحلة الانتقالية، تبرز مجموعة من الضمانات والإجراءات التى تمس الحياة اليومية للمواطن، من حرمة المسكن وإثبات الهوية، إلى حقوق المتهم منذ اللحظة الأولى للتحقيق، والحبس الاحتياطى وبدائله، والإعلان عبر الوسائل الإلكترونية، وحماية الشهود، والمنع من السفر، واستخدام تقنيات الاتصال الحديثة داخل التحقيق والمحاكمة.

وفى قراءة لأبرز الضمانات التى تضمنها القانون، يضع إيهاب الطماوي، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق، ورئيس اللجنة الفرعية التى أعدت قانون الإجراءات الجنائية، وعضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، حرمة المسكن فى مقدمة الضمانات التى حظيت بتنظيم واضح، مؤكدًا أن التعامل مع المنازل أصبح محكومًا بضوابط محددة وإطار قانونى منظم.

وأوضح الطماوى أن المادة 47 تقرر أن للمنازل حرمة، ولا يجوز دخولها أو تفتيشها أو مراقبتها أو التنصت عليها إلا بأمر قضائى مسبب يحدد المكان والتوقيت والغرض من الإجراء، مع تنبيه الموجودين فى المنزل وإطلاعهم على الأمر الصادر.

وأشار إلى أن هذه الضمانات تأتى اتساقًا مع الحماية الدستورية لحرمة المسكن، لافتًا إلى أن الاستثناءات المرتبطة بحالات الاستغاثة أو الخطر تظل فى نطاقها المحدد، ولا يجوز التوسع فيها بما يتجاوز الضرورة التى اقتضت التدخل.

وأضاف أن التنظيم يمتد كذلك إلى سلطات مأمورى الضبط القضائى فيما يتعلق بالقبض والتفتيش ودخول المنازل، بما يضع إطارًا لمباشرة هذه الإجراءات ويحدد حدودها القانونية.

تشابه الأسماء

ومن بين التفاصيل التى توقف عندها الطماوي، مشكلة تشابه الأسماء، وما قد يترتب عليها من آثار خطيرة إذا اختلطت هوية شخص بآخر أثناء القبض أو التحقيق أو تنفيذ الأحكام.

وأشار إلى أن القانون أولى اهتمامًا بإثبات شخصية المتهم وبياناته الرسمية، وفى مقدمتها الرقم القومي، بما يساعد على الحد من احتمالات الخلط بين الأشخاص خلال مراحل الإجراءات الجنائية المختلفة.

وأوضح أن أوامر الحضور والقبض والضبط والإحضار يجب أن تتضمن بيانات أساسية عن المتهم، من بينها اسمه ومهنته ومحل إقامته ورقمه القومي، أو رقم وثيقة سفره بالنسبة إلى الأجنبي، إلى جانب التهمة المنسوبة إليه.

الحبس الاحتياطي

وفى ملف الحبس الاحتياطي، أوضح الطماوى أن القانون أعاد تنظيم الحالات والضوابط والمدد، إلى جانب فتح الباب أمام تدابير بديلة يمكن اللجوء إليها بدلًا من الحبس الاحتياطى متى توافرت شروطها القانونية.

وأشار إلى أن هذه البدائل تتضمن سبعة تدابير، من بينها إلزام المتهم بعدم مغادرة مسكنه أو موطنه، أو الحضور إلى قسم الشرطة فى أوقات محددة، أو حظر ارتياد أماكن معينة، أو عدم مغادرة نطاق جغرافى محدد، إلى جانب حظر الاتصال بأشخاص معينين، والمنع المؤقت من حيازة الأسلحة، واستخدام الوسائل التقنية فى تتبع المتهم وفق الضوابط القانونية.

ولفت إلى أن التنظيم لا يتوقف عند البدائل، إذ وضع القانون حدودًا قصوى للحبس الاحتياطي، بحيث لا تجاوز مدته فى جميع مراحل التحقيق والدعوى، كأصل عام، ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، وبما لا يزيد على أربعة أشهر فى الجنح، و12 شهرًا فى الجنايات، و18 شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هى السجن المؤبد أو الإعدام، مع مراعاة الاستثناءات التى نص عليها القانون.

وأضاف أن القانون لم يتوقف عند تنظيم مدد الحبس الاحتياطي، وإنما تضمن بابًا خاصًا للتعويض عن الحبس، وحدد الحالات التى يستحق فيها من حبس احتياطيًا تعويضًا، من بينها صدور أمر نهائى بألا وجه لإقامة الدعوى لعدم صحة الواقعة، أو صدور حكم بات بالبراءة فى الحالات التى حددها القانون.

وأكد أن الخزانة العامة للدولة تتحمل التعويضات المستحقة وفقًا للشروط والإجراءات الواردة فى القانون.

الإعلان الإلكتروني

ومع انتقال جانب من منظومة العدالة إلى الوسائل الرقمية، أوضح الطماوى أن القانون أدخل تنظيمًا للإعلان باستخدام رقم الهاتف المحمول أو البريد الإلكترونى إلى جانب وسائل الإعلان الأخرى.

وأشار إلى أن القانون يلزم المتهم، عقب مثوله فى أى إجراء تتخذه سلطة التحقيق، بتعيين موطن مختار أو رقم هاتف محمول أو بريد إلكترونى لإعلانه عليه، كما يلزم بعض أطراف الدعوى الآخرين بتحديد بيانات مماثلة.

ولفت إلى أنه فى حال عدم تقديم هذه البيانات، أو عدم صحتها، أو عدم تحديثها بعد تغييرها، يكون الإعلان فى قلم الكتاب صحيحًا وفقًا للنص.

التحقيق والمحاكمة عن بُعد

ولا يتوقف التحول عند الإعلان الإلكتروني، إذ نظم القانون إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد باستخدام وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة المسموعة والمرئية، مع مراعاة سرية التحقيق والعلانية وشفوية المرافعة ومواجهة الخصوم.

وأكد الطماوى أن القانون أجاز اتخاذ كل أو بعض إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد مع المتهمين والشهود والمجنى عليهم والخبراء والمدعين بالحقوق المدنية وغيرهم، وفق الضوابط التى حددها.

وفى المقابل، أشار إلى أن المتهم مُنح حق الاعتراض فى أول جلسة على عدم مثوله شخصيًا أمام المحكمة، كما كفل لمحاميه حق مقابلته والحضور معه أثناء إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد، ونص على عدم جواز الفصل بين المتهم ومحاميه أثناء اتخاذ هذه الإجراءات.

حماية الشهود والمبلغين

وتطرق الطماوى إلى قواعد حماية الشهود والمبلغين والخبراء والمجنى عليهم والمتهمين فى الحالات التى تستدعى الحماية، موضحًا أن القانون نظم البيانات المتعلقة بهوية الأشخاص المشمولين بالحماية.

وأكد أن القانون يحظر إفشاء البيانات الخاصة بمن تقرر إخفاء هويته، كما يتيح للمتهم، فى الحالات التى يكون فيها الكشف عن الهوية ضروريًا لمباشرة حقوق الدفاع، الطعن على الأمر الصادر بإخفاء البيانات وفق الإجراءات التى حددها القانون.

وفى ملف المنع من السفر وترقب الوصول، أوضح الطماوى أن القانون وضع ضوابط محددة لهذا الإجراء، إذ أجاز للنائب العام أو من يفوضه، ولقاضى التحقيق المختص فى الحالات التى حددها القانون، إصدار أمر مسبب بالمنع من السفر أو الإدراج على قوائم ترقب الوصول لمدة سنة قابلة للتجديد، متى توافرت الشروط التى نص عليها القانون.

وأشار إلى أن القانون أتاح فى المقابل للممنوع من السفر أو المدرج على قوائم ترقب الوصول، أو وكيله، التظلم من الأمر أمام المحكمة الجنائية المختصة منعقدة فى غرفة المشورة خلال 15 يومًا من تاريخ العلم به، على أن تفصل المحكمة فى التظلم خلال مدة لا تجاوز 15 يومًا من تاريخ التقرير به.

ذوى الهمم والمسنين والأطفال

وأوضح الطماوى أن دائرة الضمانات تمتد كذلك إلى فئات ذات طبيعة خاصة، إذ راعى القانون توفير المساعدة اللازمة للأشخاص ذوى الإعاقة والمسنين خلال بعض مراحل التحقيق، كما تضمن أحكامًا خاصة بالأطفال، إلى جانب تنظيم إجراءات التعامل مع الأشخاص المصابين باضطرابات أو أمراض عقلية أو نفسية فى الحالات التى تستدعى ذلك.

وشدد على أن هذه الأحكام تأتى ضمن حزمة تستهدف تحقيق التوازن بين حق المجتمع فى مواجهة الجريمة، وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم أثناء مباشرة الإجراءات الجنائية.

النص وحده لا يكفي

ويرى الدكتور أحمد محسن قاسم، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، أن قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 يمثل تحديثًا لمنظومة العدالة الجنائية بعد عقود من العمل بالقانون رقم 150 لسنة 1950، خاصة فى ظل التطور الكبير الذى شهدته وسائل الاتصال والتكنولوجيا.

وأوضح قاسم أن القانون يتضمن مستحدثات عدة، من بينها الإعلان الإلكتروني، والتحقيق والمحاكمة عن بُعد، وحماية الشهود، وتنظيم التعويض عن الحبس الاحتياطى فى الحالات التى حددها القانون، إلى جانب ضمانات تتعلق بالقبض على المتهم واستجوابه وتمكينه من ممارسة حق الدفاع.

وشدد على أن النصوص القانونية لا تعمل بمعزل عن طريقة تطبيقها، مؤكدًا أن احترام الضمانات وعدم التوسع فى الاستثناءات يمثلان جانبًا أساسيًا فى التعامل مع الحقوق والحريات.

وفيما يتعلق بحق الدفاع، أوضح قاسم أن القانون يضع مجموعة من الضمانات أمام المتهم منذ اللحظات الأولى للتحقيق، إذ تلزم المادة 104 عضو النيابة العامة عند حضور المتهم لأول مرة بإثبات بيانات شخصيته، وإحاطته كتابة بحقوقه والتهمة المنسوبة إليه، وتمكينه من الاتصال بذويه ومحاميه، بعد تنبيهه إلى حقه فى الصمت.

وأضاف أن القانون وضع استثناءً فى حالة محددة تتعلق بضرورة الاستجواب مع وجود خشية على حياة المتهم، على أن يتم طلب ندب محامٍ له على وجه السرعة، وفق الضوابط التى حددها النص.

وفيما يتعلق بالحبس الاحتياطي، أوضح قاسم أن المادة 113 حددت الحالات التى يجوز فيها إصدار أمر مسبب بالحبس الاحتياطي، ومن بينها الخشية من هروب المتهم، أو الإضرار بمصلحة التحقيق من خلال التأثير فى المجنى عليه أو الشهود أو العبث بالأدلة والقرائن.

وأوضح أن المادة 123 تنظم عرض أمر الحبس على محكمة الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة عند تجاوز المدد المحددة فى المراحل الأولى، مع عرض الأمر على النائب العام كلما انقضت 90 يومًا على حبس المتهم فى جناية احتياطيًا أو مده.

وأضاف أن المادة 124 تضع الحدود القصوى للحبس الاحتياطي، مع التفريق بين المدد الإجرائية خلال مراحل التحقيق والإحالة والسقف الإجمالى الذى لا يجوز تجاوزه إلا فى الحدود والاستثناءات التى حددها القانون.

وعن الإعلان الإلكتروني، أوضح قاسم أن تنظيم الإعلان باستخدام الهاتف المحمول والبريد الإلكترونى يمكن أن يسهم فى اختصار الوقت وتقليل تعطيل الإجراءات، لكنه فى الوقت نفسه يفرض أهمية أكبر على دقة البيانات التى يقدمها صاحب الشأن.

وأشار إلى أن القانون يجعل هذه البيانات وسيلة معتمدة للإعلان فى الحالات التى حددها، وبالتالى فإن عدم صحتها أو عدم تحديثها قد يرتب أثرًا إجرائيًا على صاحبها.

وأكد أن التحول الرقمى ينبغى أن يسهل وصول المتقاضى إلى العدالة، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على حقه فى العلم بالإجراءات والمواعيد التى يترتب عليها أثر قانوني.

التكنولوجيا

وتناول قاسم المواد من 530 إلى 537، موضحًا أنها تنظم إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد، مع الحفاظ على الضمانات المتعلقة بسرية التحقيق والعلانية وشفوية المرافعة ومواجهة الخصوم.

وأشار إلى أن القانون لم يفصل استخدام التكنولوجيا عن حق المتهم فى الدفاع، إذ يتيح له الاعتراض على عدم مثوله شخصيًا، ويكفل لمحاميه مقابلته والحضور معه، ويحظر الفصل بينهما أثناء الإجراء.

وأضاف أن نجاح هذه الإجراءات عمليًا يرتبط بسلامة وسائل الاتصال، وإمكانية التواصل السرى بين المتهم ومحاميه، فضلًا عن وجود آليات للتعامل مع الأعطال التقنية أو انقطاع الاتصال بما لا يؤثر فى سير الإجراءات أو حق الدفاع.

مراقبة الإتصال

وفيما يتعلق بمراقبة الاتصالات والمحتوى الإلكتروني، لفت قاسم إلى أن المادة 117 أجازت، فى نطاق جرائم محددة، إصدار أمر مسبب لمدة لا تزيد على 30 يومًا بضبط المراسلات ومراقبة الاتصالات وحسابات مواقع التواصل الاجتماعى ومحتوياتها غير المتاحة للجميع والبريد الإلكترونى والرسائل، إلى جانب إجراءات تقنية أخرى، مع جواز التجديد لمدة أو مدد مماثلة وفقًا للقانون.

وأكد أن هذه الإجراءات تمس جانبًا بالغ الخصوصية فى حياة الأفراد، ولذلك تظل مرتبطة بالشروط والضوابط التى حددها القانون من حيث الجهة المختصة، والتسبيب، والمدة، ونطاق الإجراء والغرض منه.

عام إضافي

ومع إرجاء موعد تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد إلى أكتوبر 2027، تنتقل المنظومة إلى مرحلة إضافية من الاستعداد لتطبيق تشريع يعيد تنظيم عدد من التفاصيل المرتبطة بالعلاقة بين المواطن ومنظومة العدالة. ويمنح المؤسسات فترة إضافية لاستكمال المتطلبات الفنية والمؤسسية والبشرية اللازمة، خاصة مع دخول التكنولوجيا طرفًا فى عدد من الإجراءات الجديدة.