بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

حرية الصحافة أعظم من السد العالى

 

 

عينان لا عين واحدة، تريان ما يرفع الرأس وما يرفع الضغط. ما يستحق الفخر، وما يستلزم النقد. ما يُبهج وما يُزعج. الصحافة عينان مُتقدتان تصفق للحسن وتحتج على القبح. تُضىء دروب وتكشف عيوب، وتُرسخ القيم الحضارية ليتطور البشر عقولا وسلوكا.

الصحافة هى عمود خيمة التقدم، وحريتها هو المشروع الأسمى للأمم السعيدة، ولو أنصف مؤسسو الجمهورية الحديثة بمصر عقب ثورة يوليو عام 1952 لأطلقوا حرية الصحافة ورسخوها فى الوطن، واعتبروها مشروعهم الأول لمراقبة الأداء وتحسينه وتكييف المجتمع على الرأى الآخر. ولو حدث ذلك، وليته حدث لما عشنا هزائم ولا واجهنا كوارث، ولا عرفنا تطرفا وإرهابا، ولا شهدنا انحطاطا أخلاقيا.

الصحافة الحرة المسئولة الراشدة طبيب للأمم الساعية نحو التنمية الحقيقية، وهى فى رأيى أعظم مردودا من مشروعات كثيرة عظيمة مثل السد العالي، ومترو الأنفاق، ومدينة الانتاج الإعلامي، وتفريعة قناة السويس، والمتحف المصرى الكبير، والجسور والكبارى والترع. ذلك لأنها تمس الإنسان نفسه، تُغيره، تحضّره، وتعيد تأهليه ليقبل التعددية ويُنكر الآحادية فينجو من شراك الاستقطاب الدينى أو التزلف السياسي.

إن الكلمة الأخرى، حتى لو كانت نقدا واختلافا أو معارضة لشخص، ليست عدوانا تخريبيا أو عملا تآمريا يستحق مرتكبوه الملاحقة والمطاردة والاحتجاز.

الكلمة كلمة تُرد بمثلها، وتُناقش بتحضر، وإن جانبها الصواب أو الحق (فكل شىء يحتمل الخطأ) فما يمنع أن تُصحح بشفافية وهدوء لا باغلاق ومصادرة وترهيب؟

إن حُرية الصحافة فى بلادنا ما زالت مشروعا مؤجلا ومُستبعدا من أجندات الحكومات، لأن كثيرا من المسئولين يعتبرونها مفتاحا لانتقاد لا تتحمله نفوسهم، وليس أدل على ذلك من أن ترتيب مصر فى حرية الصحافة لدى منظمة «مراسلون بلا حدود» ما زال متأخرا جدا إذ تحتل المركز الـ169 بين 180 دولة.

وهذا لا يليق بمصر التى عرفت الصحافة مبكرا مع وصول الحملة الفرنسية لمصر 1798، وطوال القرن التاسع عشر تطور المجتمع بفضل حرية التعبير، وصار لدينا زخم وحراك وتفاعل أسهم فى بناء الحداثة، وولَّد فكرة القومية المصرية ورسخها فى نفوس الأجيال.

إننى استغرب كثيرا عندما تدفعنى رحلات البحث الأرشيفى للنظر فى صحافة العشرينيات والثلاثينيات وأجدها بكل هذه الجرأة تنتقد زعماء مصر، وتحاسب مسئوليها، وتراجع رموزها، وتناقش نُخبتها فى سمو وتحضر.

لقد كتبت أقلام عديدة تنتقد وتعارض سعد زغلول فى أوج عظمته وهو زعيم الأمة ومحبوب الشعب ورئيس أول حكومة منتخبة سنة 1924، ولم تنل هذه الكتابة من اسم الرجل أو صورته بأى قدر. ومَن يطالع هجوم بعض الأقلام على مصطفى النحاس عندما كان رئيسا للحكومة يندهش كيف استوعب كل هذه الحملات وتقبلها ولم يصادر ورقة أو يحاكم قلمًا!

فالكبير كبير بما أنجز، وما ظل نافعا للناس مهما قال القائلون أو لاموا أو انتقدوا.

وعلينا أن نتذكر دائما أن الدستور المصرى يكفل حرية الصحافة والتعبير ويعتبرها من ركائز المجتمع وسلطاته، وواجب الحكومة وكل حكومة الالتزام بدستور الأمة.

والله أعلم.

مصطفى عبيد

[email protected]