أربع قبب وذاكرة واحدة للتجربة النيابية المصرية
من قلب القاهرة... حيث تتعانق السياسة بالتاريخ، وتقف المباني العتيقة شاهدة على تحولات الدولة المصرية عبر الأزمان... إلى العاصمة الإدارية الجديدة...حيث تفتح الحياة النيابية صفحة أخرى من المستقبل...
أربع قبب لا تجمعها العمارة فقط...بل تجمعها ذاكرة برلمانية امتدت من مجلس شورى النواب ومجلس شورى القوانين والجمعية العمومية والجمعية التشريعية...إلى مجلسي النواب والشيوخ في صورتهما الحديثة.
فالمكان النيابي في مصر لم يبدأ من نقطة واحدة...بل تراكمت فوق بعضها طبقات التاريخ... وتعاقبت على المكان مؤسسات وأجيال وأسماء... حتى أصبح لكل جدار حكاية ولكل قبة ذاكرة...
قبة مجلس النواب القديمة بوسط القاهرة... تلك التي ارتبطت بمجلس الأمة ثم مجلس الشعب ثم مجلس النواب...لم تكن يومآ مجرد قاعة للانعقاد...
هنا جلس نواب الأمة...وتعاقبت أجيال تشريعية اختلفت توجهاتها وتباينت رؤاها...لكنها اجتمعت تحت قبة واحدة لمناقشة شؤون الوطن وسن القوانين ومساءلة الحكومات.
وهنا تحدث أنور السادات... وعبداللطيف بغدادي... وحافظ بدوي... ومحمد لبيب شقير... وسيد مرعي... وصوفي أبو طالب... وكامل ليلة... ورفعت المحجوب... وفتحي سرور... وسعد الكتاتني... وعلي عبدالعال... وحنفي جبالي... كلٌ في مرحلة من مراحل مسيرة مجلس النواب المصري...
وهنا أيضًا ما زالت في الذاكرة أصوات رجال لم تكن كلماتهم مجرد مداخلات عابرة...بل كانت جزءًا من تاريخ القاعة وذاكرة الحياة النيابية المصرية...
في العهد الملكي كان هنا مكرم عبيد، ومصطفى النحاس، وبدراوي عاشور...وفخري عبدالنور...ويس باشا حامد..و فؤاد سراج الدين...رجال اختلفت مواقعهم واتجاهاتهم... لكن أصواتهم بقيت جزءًا من المشهد البرلماني الذي شهدته القبة القديمة.
ثم جاءت أجيال الجمهورية فتعاقبت تحت القبة أصوات فؤاد أبو هميلة...وسيد زكي عبدالهادي... وفؤاد محيي الدين...وممتاز نصار...وأحمد مجاهد وتوفيق زغلول...وفكري الجزار...ومحمود القاضي وأبو العز الحريري.. والبدري فرغلي...ومحمد عبدالعليم داود...
أصوات مختلفة... وشخصيات متباينة... ومدارس برلمانية لم تكن متطابقة...لكنها جميعًا تركت شيئًا من حضورها في تلك القاعة...كلمة في مضبطة...أو موقفًا تحت القبة...أو معركة برلمانية أو لحظة بقيت في ذاكرة من عاصرها....
وهنا أيضًا.. ما زال في الذاكرة ذلك الصوت المهيب للمستشار بركات السايح...أمين شؤون الجلسات و الاستاذ علوم وهم يتلو جدول الأعمال بذلك الوقار والانضباط الذي كان يعلن أن الجلسة قد بدأت... وأن للكلمة تحت القبة قواعد وهيبة.
ولهذا فإن القبة القديمة لا تحفظ أسماء الرؤساء وحدهم... بل تحفظ أيضًا أصوات النواب الذين ملأوا مقاعدها، وصنعوا من النقاش النيابي جزءًا من تاريخ مصر السياسي.
لكن ذاكرة المكان لا تتوقف عند مجلس النواب...
فهناك قبة أخرى في المجمع النيابي التاريخي... قبة مجلس الشيوخ...التي ارتبطت بذاكرة الغرفة الثانية من البرلمان المصري.
لكن هذه القبة لم تأتي من فراغ...فالمكان كان يحمل قبلها ذاكرة نيابية أقدم بعشرات السنين..فمنذ مجلس شورى النواب...مرت من هنا فصول من تاريخ مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية والجمعية التشريعية...قبل أن يعود نظام الغرفتين بدستور ١٩٢٣....
ولهذا فإن قبة مجلس الشيوخ القديمة لا تحمل فقط ذاكرة مجلس الشيوخ في العهد الملكي...بل تقف فوق طبقات متراكمة من الذاكرة النيابية المصرية.
وتحت قبة مجلس الشيوخ الملكي تعاقب على الرئاسة محمد زكي العرابي باشا.. ومحمد بك محمود خليل...ومحمود باشا بسيوني...وعدلي باشا يكن وأحمد باشا زيور...
ثم تغير الزمن...وتغير اسم المجلس...لكن المكان بقي شاهدًا...
فجاء مجلس الشورى في العهد الجمهوري وتعاقب على رئاسته محمد صبحي حكيم وعلي لطفي ومصطفى كمال حلمي وصفوت الشريف وأحمد فهمي ثم عبدالوهاب عبد الرازق...
وهنا تكمن قيمة المشهد...
فحين ننظر اليوم إلى القبتين القديمتين...نحن لا ننظر إلى مبنيين فقط...بل إلى ذاكرتين نيابيتين تجاورَتا في قلب القاهرة...ذاكرة مجلس النواب.. وذاكرة مجلس الشيوخ والشورى...
ثم جاءت العاصمة الإدارية...
قبة جديدة لمجلس النواب...
وقبة جديدة لمجلس الشيوخ.
فخامة المباني الجديدة...والتقنيات الحديثة.. والتصميم الذي يواكب متطلبات العمل النيابي المعاصر...كلها تعكس صفحة جديدة من صفحات الدولة المصرية....
لكن الحداثة لا تلغي العراقة...
فالقبة الجديدة لمجلس النواب لا تمحو قبة مجلس الأمة والشعب والنواب القديمة...
كما أن قبة مجلس الشيوخ الجديدة لا تمحو ذاكرة الشيوخ والشورى التي سبقتها.
بل إن القيمة الحقيقية أن تنتقل التجربة من مكان إلى مكان...دون أن تنتقل الذاكرة من الوجدان...
هذا ما شعرت به وأنا أتابع الجلسة الإجرائية الأولى لمجلس النواب في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية العام الماضي...
وها هو الإحساس نفسه يعود مع بدء الدور الانعقادي الثاني...واضيف عليه نفس الإحساس بقاعة مجلس الشيوخ الجديدة بالعاصمة الإدارية اليوم...
فمهما اتسعت القاعات...ومهما تطورت الشاشات... ومهما تقدمت التكنولوجيا...تبقى هناك أصوات لا تغادر المكان...ووجوه لا تغيب عن الذاكرة...وقباب تظل شاهدة على أن الحياة النيابية ليست مجرد جلسات تعقد...بل تاريخ يتراكم...وذاكرة تنتقل... وإرث لا ينتهي بانتقال المقاعد.
أربع قبب...ومئات السنين من الحكاية...لكن التاريخ واحد.
فالأماكن قد تتغير...والعناوين قد تتبدل... والقاعات قد تنتقل من القاهرة إلى العاصمة الإدارية...أما ذاكرة البرلمان المصري فلا تنتقل...لأنها تسكن في الوجدان...