رفع الحصانة البرلمانية.. متى ترفض طلبات التحقيق مع النواب؟
أثار قرار المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، رفض طلب رفع الحصانة البرلمانية عن أحد أعضاء المجلس وحفظه، بعد ورود الطلب من النائب العام خلال فترة عدم انعقاد المجلس، اهتمامًا واسعًا بشأن طبيعة الحصانة التي يتمتع بها أعضاء البرلمان، والضوابط التي تحكم اتخاذ الإجراءات الجنائية بحقهم، فضلًا عن الجهات المختصة بفحص طلبات رفع الحصانة والحالات التي يمكن فيها رفضها أو حفظها.
ويأتي قرار مجلس النواب في إطار منظومة قانونية ولائحية تهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية العمل البرلماني من الدعاوى أو الإجراءات الكيدية، وبين عدم تحويل الحصانة إلى وسيلة للإفلات من المساءلة القانونية، فالحصانة البرلمانية لا تعني منح النائب حماية مطلقة من القانون، وإنما تضع مجموعة من الإجراءات والضوابط التي يجب الالتزام بها قبل اتخاذ بعض الإجراءات الجنائية بحقه خلال فترة عضويته.
وبحسب ما أعلنه رئيس مجلس النواب، فقد جاء رفض الطلب وحفظه بعد إعمال أحكام المادة 356 من اللائحة الداخلية للمجلس، وانتهاء الفحص إلى وجود شبهة كيدية في الطلب، وهو ما يسلط الضوء على الدور الذي تقوم به مؤسسات المجلس في مراجعة طلبات رفع الحصانة والتأكد من استيفائها للشروط القانونية واللائحية قبل عرضها على المجلس.
لا تعني الحصانة البرلمانية إعفاء عضو مجلس النواب من المسؤولية القانونية، وإنما تضع ضوابط إجرائية محددة فيما يتعلق باتخاذ الإجراءات الجنائية ضده أثناء فترة العضوية.
وتنص المادة 355 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب على عدم مسؤولية عضو المجلس عما يبديه من آراء تتعلق بأداء أعماله داخل المجلس أو لجانه، بما يضمن حرية النائب في ممارسة دوره الرقابي والتشريعي والتعبير عن آرائه في إطار العمل البرلماني، وتستهدف هذه الحماية ضمان قدرة النائب على أداء مهامه دون أن تكون الآراء والمواقف التي يطرحها داخل المجلس سببًا في تعرضه لإجراءات قانونية تعرقل ممارسة دوره.
متى يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد النائب؟
تنظم المادة 356 من اللائحة الداخلية الإجراءات المتعلقة باتخاذ إجراءات جنائية ضد عضو مجلس النواب.
وبحسب هذه الضوابط، لا يجوز ـ في غير حالة التلبس ـ أثناء دور انعقاد المجلس اتخاذ إجراءات جنائية في مواد الجنايات والجنح، سواء في مرحلة التحقيق أو الإحالة إلى المحاكمة، إلا بعد الحصول على إذن المجلس، وأما خلال فترة عدم انعقاد المجلس، فيتعين الحصول على إذن مكتب المجلس، على أن يتم إخطار المجلس عند أول انعقاد بما تم اتخاذه من إجراءات.
وتوضح هذه القواعد أن الحصانة ليست مانعًا دائمًا أمام التحقيق أو المحاكمة، وإنما تتعلق بالإجراءات الواجب اتباعها قبل اتخاذ الإجراءات الجنائية في مواجهة النائب، بما يحافظ على استقلال العمل البرلماني ويضمن في الوقت نفسه احترام الإجراءات القانونية.
وحددت المادة 357 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب الجهات والشروط المرتبطة بطلبات رفع الحصانة، وإذا كان الطلب صادرًا عن جهة قضائية، فيتعين أن يقدمه النائب العام أو المدعي العام العسكري، بحسب الأحوال، مع توضيح الواقعة المنسوبة إلى عضو مجلس النواب والمواد القانونية المتعلقة بها، فضلًا عن بيان رقم القضية والإجراءات التي اتخذت بشأنها.
كما يجب أن يتضمن الطلب صورة من أوراق القضية والمستندات ذات الصلة، بما يسمح للجهات المختصة داخل المجلس بفحص الطلب والوقوف على مدى استيفائه للمتطلبات المنصوص عليها في اللائحة.
ماذا عن الدعاوى المباشرة؟
وفي حالة الرغبة في إقامة دعوى مباشرة، تشترط اللائحة توافر الصفة والمصلحة لدى مقدم الطلب، إلى جانب إرفاق صورة من عريضة الدعوى والمستندات المؤيدة لها، فضلًا عن موافقة النائب العام عليها، وتأتي هذه الشروط لضمان جدية الطلبات المقدمة ضد أعضاء مجلس النواب، وعدم استخدام إجراءات رفع الحصانة في خلافات أو دعاوى تفتقر إلى الأساس القانوني المطلوب.
عند ورود طلب رفع الحصانة إلى مجلس النواب، يحال فورًا إلى رئيس المجلس، الذي يتولى إحالته إلى مكتب المجلس لفحص الأوراق والتأكد من استيفاء الشروط التي حددتها اللائحة الداخلية، وتتمثل مهمة مكتب المجلس في مراجعة الطلب والمستندات المرفقة به، والتحقق من توافر المتطلبات القانونية واللائحية اللازمة قبل اتخاذ الخطوة التالية.
وفي حال تبين عدم توافر الشروط المطلوبة، يقوم مكتب المجلس بحفظ الطلب، مع عرض الأمر على المجلس دون ذكر أسماء، وفقًا لما تنص عليه اللائحة، وأما إذا تبين استيفاء الطلب للشروط المطلوبة، فيحال إلى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية لإعداد تقرير بشأنه، ثم ينظر المجلس التقرير على وجه الاستعجال لاتخاذ القرار المناسب.
ويكشف قرار رفض الطلب الأخير وحفظه، بسبب وجود شبهة كيدية، عن أهمية مرحلة الفحص التي تسبق عرض طلبات رفع الحصانة على المجلس، فالحصانة البرلمانية تستهدف حماية النائب من محاولات استغلال الإجراءات القانونية للتأثير على عمله أو تعطيل دوره البرلماني، ولذلك تتيح اللائحة فحص الطلبات والتأكد من جديتها واستيفائها للضوابط المطلوبة.
وفي المقابل، فإن وجود الحصانة لا يعني منع الجهات القضائية من مباشرة اختصاصاتها متى توافرت الشروط القانونية، وإنما يضمن اتباع المسار الإجرائي المحدد في اللائحة الداخلية للمجلس.
إخطار النائب وجهة التحقيق:
ولا تنتهي الإجراءات بمجرد اتخاذ القرار بشأن طلب رفع الحصانة، إذ تنص اللائحة على إخطار عضو مجلس النواب وطالب رفع الحصانة وجهة التحقيق المختصة بما تم في الطلب من إجراءات.
كما يتم إخطار لجنة القيم بما تم للإحاطة، بما يعكس وجود منظومة إجرائية متكاملة للتعامل مع هذه الطلبات منذ لحظة ورودها وحتى صدور القرار بشأنها.
وتوضح هذه الضوابط أن الحصانة البرلمانية تقوم على فلسفة أساسية تتمثل في حماية استقلال عضو مجلس النواب أثناء ممارسة مهامه، ومنع استخدام الإجراءات القضائية بصورة كيدية للتأثير على دوره التشريعي والرقابي.
لا تمنح الحصانة النائب وضعًا فوق القانون، إذ يمكن اتخاذ الإجراءات الجنائية بحقه وفق الضوابط والإجراءات التي حددتها اللائحة، سواء خلال دور الانعقاد أو في فترة عدم انعقاد المجلس، و رفض طلب رفع الحصانة لا يمثل إجراءً منفصلًا أو حماية مطلقة للنائب، وإنما يأتي في إطار منظومة لائحية دقيقة تفرق بين الطلبات المستوفية للشروط والطلبات التي تفتقر إلى المتطلبات القانونية أو التي تظهر بشأنها شبهة كيدية، بما يضمن التوازن بين حماية العمل البرلماني واحترام سيادة القانون.