بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

شامخ الشندويلى يكتب: شعرية الشجن والرفض: دراسة في المعمار النصي والرؤية المتفردة عند إيهاب البشبيشي

بوابة الوفد الإلكترونية

 

يقف الشاعر الكبير إيهاب البشبيشي في صدارة الأصوات الشعرية التي امتلكت قدرة استثنائية على مزج الوجدان الشعبي بالفلسفة الإنسانية العميقة، فهو شاعر يسكن نبض الشارع المصري ويستلهم تفاصيله اليومية المفعمة بالصبر والشجن ليصوغ منها قصائد تتنقل بسلاسة بين الفصحى والمحكية، وتتميز بنبرة تهكمية مريرة تُغلف عزفًا شجيًا على وتر الهوية والكرامة والبحث عن الخلاص، حيث لا يكتفي بالرواية بل يرسم كلماته بطمي النيل ورائحة الخبز وندى الغيطان مشكلاً تجربة ممتلئة بالصور المركبة والرموز المتشابكة.

 

في قصيدة "فبأي آلاء بمصر تكذبان" ، يظهر التميز الفنى من خلال التناص المباشر مع النص القرآني ليتحول إلى ترجيع إيقاعي ووجداني يربط بين نعم الله الفطرية وحالة الوجع التي تمر بها البلاد، حيث تبدأ القصيدة بمفارقة صارخة بين حضور اللصوص والمماليك وبين الجمال السرمدي المتمثل في الأم التي تعلم طفلها والفلاحة التي تصلي الصبح وشعرها ينساب قمحًا، ليظهر التاريخ كشخصية درامية متسكعة على المقاهي ينتظر قيام المحبوبة من قيلولتها في إشارة ذكية إلى أن كبوات مصر ما هي إلا غفوة عابرة تعقبها نهضة جبارة. يقول: 

 

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

يا صاحبي ما كان كان

وهذه السبع العجاف فتكن بالسبع السمان 

وسطا مماليك القلاع على البقاع

 وجار محتسبو التلاع على المتاع

وصار فيها مترفوها متلفيها 

مسعفوها مسرفيها

من يقيها ليس فيها

بيع فيها ما يشاع فلا يباع

فأجدب المحل اليناع

 وأهلك النوتي  أحبال الشراع

 وجاع فيها  زارعوها 

ضيم فيها خاشعوها

 واستباح الجند نجد الأرض  واستشرى النزاع

وتوحش اللصان لص الوقت مع لص المكان

بالطبع هذا كان يحدث من زمان

 

لكن شيئا آخر اعتدناه يحدث من زمان

لو لم تصدقني فجئها

أو ففاجئها وأبصر بالجَنانْ

ستعد فيها ما يوفيها وما قد لا يوفيها

يفيها ما على فيها من الآي الثمان

فبأي آلاء بمصر تكذبانْ

 

بالطبعِ هذا كان يحدث من زمان

لو لم تصدقني فجئها

أو ففاجئها وأجملُ ما تشاهد وهي عاكفة

تعلم طفلها الأسماء من آن لآن

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

إلها وسائلها

أتعرى أم تغطي عريها بخضارها؟

فالكرم خمر جنانها

والتوت والرمان سراها

وأحمر وجنتيها، جئ إليها

وهي قائمةً تصلي الصبح في الغيطان

ترسل شعرها قمحا

ورياها ندًى أو أقحوانْ

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

أنى نظرت فثم وجه الله في هذا المكان

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

في حبها البحران يلتقيان

فبأي مصر تكذبان

 

فيها مواويلٌ ونيلٌ 

والصوادح فوق غصن البان شدوى

شدوَ عودٍ أو كمانْ

أو شدو قلب ما تأوه مع أنين الجذع إن سمع الأذان

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

فيها سنابلُ كل سنبلةٍ بها مئةٌ من الحبات

أو مئةٌ من الدعواتِ

يرويهن من عطشٍ ومن عرقٍ 

عروقُ مزارعٍ أعطى إلى الأرض التي أعطته من قبلُ الأمانْ

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

يا أيها اللصانِ

تجارًا ببطن السوق 

حكامًا بظهر السوق

صارا هم سماسرةَ الزمان

بأي آلاء بمصر تكذبان

 

فيها نساءٌ يفترشن ترابها

ويبعن أدعيةً بما جاد الشراةُ به...

 وأسورة من الفل المعطر بالحنان

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

فيها صبياتٌ حسانٌ

فبأي آلاءٍ بمصرَ تكذبان؟

 

فيها تلاميذٌ بغير مدارسٍ

خضرٌ كعيدانِ الجراوةِ صفُّهم

وتسد عين الشمس بهجتُهم وتلمع مقلتان

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

فيها رجالٌ مثل أهل الكهف

تحسبهم رقودا

يصبرون على المكارده 

كلما صبروا طغى طاغوتهم

حتى إذا ما فاض كيل البغي هبوا نحوه

باعوه في سوق النخاسة مرة

أو رحلوه على السفينة مرة

أو ودعوه على المنصة مرة 

أو خلعوه من الكراسي مرة أخرى

وعادوا يغسلون أصابع التاريخ من دمه المدان

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

فيها صباحات ستخرج ذات يومٍ 

كي تعيد الشمس من أسر الرهانْ

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

حتى وان سكت اللسان

فكل قلب صار مئذنة

اذا رفع الأذان 

السجن والسجان فيها يخنسان

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

يا أيها اللصانِ

قارونًا مفاتحه ينوء بها

وفرعونَ الزمانْ

يا أيها اللصان

لصَّ الوقت أو لصَّ المكانْ

زولا أو انتظرا الطعان

فلكل آن دولة

ستزول إن آن الأوان

فبأي آلاء بمصر تكذبان

 

يا صاحبي ولتسأل التاريخَ 

هل هي قد عدته

فمنذ أن مرضت

 يشاهَد كل يوم ها هنا متسكعا

وتراهُ أحيانا هنالك تائهًا ولهان في أحيائها

يشاهد ما يوم هائما متسكعا

أو تائها ولهان في أحيائها

أو مستريحًا فوق جدران المكانْ

 

جدهُ هناك بدكةِ المقهى

يؤم العاطلين

يهز نرد الوقت في يده

يتابع نشرةً 

أو مشعلًا نرجيلةً بينا يشاهدُ في مباراةٍ

وعيناه عليها

وهي مثل زليخةٍ 

تحتاج يوسفَ كي يرد شبابها 

من قبل أن يذوي الزمان

 

لكنها قيلولة وتقومُ 

تسحب ذيلها

وتذوبُ في خيلائها

وتمد طرفا للعنان

 

فابسطْ وبايع أيها التاريخُ عهدتها

وهيئ أيها الآتي قلادتها وعد الصولجان

فلسوف يحدث دائمًا ما كان يحدث من زمانْ

 

 

 

 

أما قصيدة (خبر الخبز) فتعد نموذجًا فريدًا للشعر الذي يستمد مادته من طوابير العيش وأوجاع البسطاء، إذ تبدأ بصيغة إسناد حديثية عن صابر لتأكيد تواتر الوجع عبر الأجيال حتى يصل الصبر إلى نقطة التحول من الصبر الجميل إلى الصبر المخيف، معتمدة على الثنائيات الضدية لرسم صورة الرغيف كقاتل ومقيم للأود وصديق كالبكاء وعدو كالزمان

 

خبر الخبز

 

وجاءنى عن صابرٍ ... عن صابرٍ ... عن صابر .. وعن .. وعن .. وعن.. إلى أن ينفدَ الصبرُ الجميلُ, ثم يبدأَ الصبرُ المُخيفْ عن أوَّل المستضعفينَ الجائعين الواقفينَ فى صفوفِ العيشِ ؛ قال :  بينما نحن وقوف ذات جوعٍ من غروب الشمس حتى مطلع الرغيفْ, إذا بنائح يقول والأسى فى صوته كالنار فى شاروقةِ الفرن العنيف، يقول :

 

أعيش الآن فى طابور خبزى

            كـأنى مـجرمٌ  يقضى عقوبةْ

رغيفى قاتلى ومقيمُ أودى

             كذوبٌ مثل أيامى الكذوبةْ

بعيدٌ دونه مليونُ لصٍّ

            وألفُ عصابة أخرى قريبةْ

جميلٌ مثل فرحة عين طفلى

            وملءَ رنين ضحكته الطروبةْ

مريرٌ كالمذلَّة فى عيون 

            تلمُّ فتاتَ مائدةٍ غريبةْ

صديق ٌكالبكاء ومن تراهُ 

             من الباكين لم يَصحبْ نحيبهْ؟!

عدو كالزمان وكم عدو 

            لطول العهد لم نُنكر خطوبهْ

رغيفى دمعة يبسَتْ وأخرى

            بجفن الموت توشـك أن تُجيبهْ

حياتى كلها طابور حزن

            بـه أصـل المصـيبةَ بالمصيبةْ

به تحكى السنابل ذكريات

              عن الظلم الذى فى أرض طيبةْ

فطل بى أيها الطابور طل بى 

            لعـلك صائر يوما كتيبةْ

وطل بى أيها الطابور طل بى 

            لعـلك بـالغ قـصر العروبةْ

 

ثم مضى الصوتُ 

فلم نفطنْ إليه

متفَق عليه

 

 

هكذا تنتهي القصيدة بتحذير مباشر من أن هذا الطابور الساكن ليس مجرد صف خبز بل هو كتيبة في طور التشكيل كفيلة بأن تصل إلى قصر العروبة.

 

 

وتأتي قصيدة منزل الروح كأحد أعمق النصوص فلسفةً ، حيث يتخذ الشاعر من الجسد مسرحًا للوجود والتاريخ والذات المتشظية، مستعرضًا تحولاته بين الجسد المورق وجسد الطين والمدرس والمهرأ بأختام النسور، لتتداخل الحواس وتلتحم الذات بالوطن المصلوب على رفوف البيروقراطية والموزع في حافلات المغتربين ، يقول : 

 

 

منـزل الروح

 

ضع ها هنا خطًا

وخطًاً ها هناك

ألست رسمت قبل ودون مسطرة

خطوط الزراعة الأولى

فما ايديك ترتعشان

مالك تحجلُ

اخرج من الضوء الـمُكهرَبِ

فى الشِّباكِ إلى البسيطةِ

حيث نورُ الشمسِ

حتى ترتوى عيناكَ منها

قدرَ ما تتحملُ

وارجع و ضوِّءْ كهرباءَكَ

ضِئْ لها و أَعدْ ضُحاكَ

وخذ يدى بيديكَ 

إنى من مطاوعة الهوى أتشكَّلُ

جسداً حقيقيًّا به أتزمَّلُ

من برد مرآتى

و من شبحى المعربدِ 

حينما يتجوَّلُ

جسدى الذى أتـمثَّلُ

 

جسدى الذى ما شكَّلتْهُ الريحُ

لكن عصفُ ذاكرتى التى أتأمَّلُ

جسدى الفتىّ 

ذو الأربعين يداً

و ذو العضل العفىّ

هذا الذى ربَّيتُه طفلاً

على عينى يشبُّ دقيقةً بدقيقةٍ

و حقيقةً بحقيقةٍ

ورؤىً تجدُّ وتهزلُ

من كلِّ حلمٍ 

كنت أصحو فى يمينى قطعةٌ أخرى

أُركِّـبُها به و أوصِّلُ

حتى غدا : قدَماه سِنٌّ 

و انفراجُ يديه 

ما غطَّى ضياءً برجلُ

الناطقُ المنطوقُ

ذو الأفعال تَبتكر الأسامِى

ثُم ذو الأسماء إذ هو يَفعلُ

المستهلُّ المذهلُ

المشتقُّ من تكعيـبةٍ

فى ظل كرمتها يَشعُّ الحدسُ

و البدهاتُ تدنو

كالثُّريَّات التى تتذلَّلُ

فيُجيبُ وهو السائلُ

جسدى الذى يتدلَّلُ

 

جسدى الذى عيناهُ 

أبصرتا الصِّراطَ

و كان يلعب فوق شطيهِ

الزمانُ الأوَّلُ

مَلَّ انفرادَ جناحه بالأفقِ

قال أَحُطُّ فى الأرض اكتمالاً

عَلَّنى أَترجَّلُ

فانشقَّ من رأسٍ إلى قدمين 

كى يحيا 

فإن يبرَأْ يَمُتْ

عجباً.. و قاتلُه الذى يـحييهِ 

ماءٌ أعزَلُ

فمشى على - فيما يُصفِّرُ -حَلِّ شَعر الماءِ 

إذ يتنـزَّلُ

نشوانَ.. حيث تُميلُه ريحٌ

و ريحٌ تعدلُ

فإذا استوت فيه الظلالُ 

و كاد منها يَثملُ

و أراد يلهو

راح يجدلُ للرَّغيف مشنَّةً

و مقشةً من ليفِهِ و يُـفتِّلُ

أو شاء يرسمُ 

وشوَشَ الفخَّارَ

فانبجسَتْ من الأطراف أسرارٌ

فيروِى الزِّيرُ آلافَ العطاشَى 

لا يَغيضُ

كأنَّ نبعاً من أصابعه يُعَلُّ و يُنهَلُ

أو شاء يرقصُ

قام ينتظمُ السوارِى 

فى المراكبِ

أو يُبَيِّضُ فى فناء الدارِ

آنيةَ النحاس ويصقلُ

حتى إذا اعتدل المزاجُ على المزاجِ

و راقَ 

وانسجم المقامُ له 

وطاب المنـزلُ

فهو الممدّدُ فوق مصطبة العصارِى

يُلقِمُ الكيزانَ شاىَ الرّكوةِ المغلىَّ 

حين تُشَعْلِلُ

وهو الذى فى كلِّ يومٍ أرتديهِ

ينام فوق الفرن فى حِضنى

إذا جَنَّ المساءُ

و يَصحب الشمسَ

التى تأتيه عاريةَ الظهيرةِ 

للحَضِيرِ إذا أراد يُقَيِّلُ

وهو الذى ينسابُ 

فى جلبابه البلدىِّ

و الطاقيةِ الصوف اختيالاً

حين تَغزلُه الصبايا

و الجرارُ على الرءوس تَمايلُ

جسدى الذى يتغزَّلُ

 

جسدى المعبـَّـأُ فى الحقائبِ

فى صباح مدرسىٍّ

كلُّ صبحٍ حاملٌ جزءاً

و أصرخُ نَزِّلونى

بينما أستمرئُ الـحَـملَ الخفيفَ

فيضحكون و هم يَهزُّون احتشامى

فلأُعابثْهم

فأقرصَهم و أدخلَ

فى الحقائب مرةً أخرى

و ألعبُ أو أُبوِّخُها

فإن كانوا عيالاً

إننى بالعند فيهم أعيَلُ

طبعاً 

وكم داعبتُهم

وعملتُ ما لا يُعمَلُ

لا عنه لا أرضَى ولا هو يَزعلُ

جسدى الذى يتساهلُ

 

جسدى الوثيقىُّ الذى 

هرأَتْهُ أختامُ النسورِ 

ولم يَزل يتبتَّلُ

و أنا أُرتِّل فى الصباح تحيةَ العلمِ 

المرفرِفِ حيث قلبى 

شابكٌ فى طرف عينى

إذ تَقَلَّبُ بين أحمرِه و أبيضِه و أسودِهِ

يُغالط نبضَهُ فى خوفهِ 

و يُجادلُ

جسدى الورقْ

جسدى الذى 

بقمائن الطوب احترقْ

جسدى الذى ينحاز للاَّشئ 

إلا للسماءْ

جسدى الممهَّدُ فى الرجاءْ

جسدى الشتاءْ

جسدى المبدَّدُ 

فى النراجيلِ

الملبَّدُ فى المواويلِ

الذى ينسابُ 

جيلاً بعد جيلْ

جسدى النحيلْ

جسدى الذى لا تذكُر الأحلامُ

كيف و منذ كم سنةٍ 

توهَّجَ 

و انطفأْ

جسدى النبأْ

جسدى الموقَّعُ 

فى انتباه الجندِ 

مصفوفاً

و مألوفاً كَسِكَّةِ بيتنا

كالليلِ إذ يتوغَّلُ

جسدى الذى أتكبَّلُ

 

جسدى الموزَّعُ 

فى"السلامُ عليكُمُ – اتْفَضَّلْ"

و قد كانوا يهوداً مرةً 

وتَفَضَّلوا

من يومِها 

فى كَعْبِهِ التاريخُ يؤلِمُهُ

وفى رئتيه تستشرِى الخُرافةُ

و الأساطيرُ الكبارُ فيسعلُ

و يَغُزُّنى فى بِزِّ رجلِى

حين تضربه الضرائبُ

وهو مرهونٌ و لا يتملمَلُ

عاماً وراء العامِ 

تضرب فيه أكبادُ الذين تأوَّلُوا

و أَرُدُّ غَيبتَه ويخذلُه صحافىٌّ 

و شرطىٌّ و قاضٍ

حين يختزلونه فى الرمزِ .. فى الشاراتِ ..

فوق زجاجِ سياراتِهم

و يُخَزِّنون قُراهُ فى عجلاتِها

فأدورُ و هْى تدورُ عَلِّى 

فى خلاياىَ التى أُقصِيتُ عنها أَدخلُ

فإذا دخانٌ لائحىٌّ يَستطيلُ و يَنسِلُ

مهما دنوتُ إليهِ لا أتوصَّلُ

جسدى الذى يَتنصَّلُ

 

جسدى الذى ياما 

حكَوا لى عنه ألفَ كرامةٍ وكرامةٍ

و كأنه جسدٌ سوى هذا الذى أتنـزَّلُ

فى العيدِ أَقسَمَ غيرُ شخصٍ

أنه صَلَّى بمكةَ جَنبَهُ

فى حين كان مراسلُ الأخبارِ 

فى سوريا يحاورهُ

و فى البثِّ المباشرِ

بانَ بين الجند فى بغدادَ

لكنْ دونما ظِلٍّ

سألتُ فقال يَسخرُ :

كنتُ محبوساً و ضوء الشمسِ 

فى السودانِ 

فاعْتَدْنى كذلكَ إننى أتحوَّلُ

 

و يُعِيرُنى كَفِّى لحَلِّ الدَّرسِ فى فصلِ الحسابِ

و ثَمَّ يُقرِضنى عيونى

كى أراه على امتداد الشَّوفِ

خلف فراشةٍ حَيرَى

و أُقسمُ أنه جسدِى

و ظِلِّى لَم يُفارقْنى

فكيف إذن تَسرَّبَ من خلاياهُ

وراح يَعُطُّ و الأصحاب فى الغيطانِ

مستبقاً على جُعلُوصِ تُوتٍ

كيف من وَعْيِى به يتحلَّلُ 

و هو الذى ما إن كبرتُ 

و خِلتُنى أصبحتُ أسجِنه بظِلِّى

كان يَفجأُنى

فأين أَحلَّ أَسمعْ ضحكةً

فإذا التفتُّ أراهُ نحوى يُقبِلُ

الآن أين أَرُحْ أُلاقِ بريدَهُ

متأسفاً لى فيه عن عدم الحضورِ

و بالكثيرِ أَجدْ بقايا نسخةٍ منهُ مشوهة

متى أضعِ العمامةَ تعرفوها

فهى لا تَتبدَّلُ

 

و إِذَنْ فكيف أَحلُّ فى جسدى بلا جسدٍ

فأمشى دونما عينينِ 

أنظرُ دونما قدمينِ

كيف و عَقلىَ الواهِى

على بُعد المـَدارِ يُشَغَّلُ

جسدى المعطَّلُ عن حقيقتهِ

و كنتُ أظنُّهُ لا يَعطلُ

 

جسدى الـمُسَجَّى الآنَ 

فى ثلاَّجةِ المعـنَى

نَزعتم عنه أنبوبَ التنفُّسِ

ثُم جئتُم فوق تذكرة انتخاباتى دماً كذباً

و قلتُم إننا نتجمَّلُ

جسدى القتيلُ و لا يزال يُقتَّلُ

لا تَدَّعُوا أنى غدرتُ

ولم أُحذِّرْكم 

إذا باغتُّكم شبحاً خرافيًّا

بمشرحتى

أُلملمُ شملَ أشلائى

إذا فى وجهكم أتغوَّلُ

من بين أحزانى سأطلعُ

من ضحاياكم سأطلعُ

من فرائصكم إذا تتزلزلُ

جسدى

عسى ربى إذا صلَّيتُ

أن يأتى به طُرًّا

مُعافىً رائعاً

فبهِ لهُ أتوسَّلُ

جسدى الذى

أتخيَّلُ .

 

وهكذا ورغم حالة القتل والتسجيل في ثلاجة المعنى يختتم النص بروح الانبعاث والتمرد حيث يطلع الجسد من بين الضحايا ليطالب بحقيقته المكتملة.

 

 

وفي قصيدة نداهة الشعر يخاطب الشاعر "الراحل شوقي أبو ناجي"  ليتحول الخطاب إلى مونولوج درامي يناقش جدوى الكتابة ومأساة الشاعر في مجتمع غارق في الزيف، مشبهًا فعل القريض بالأذان في الصحراء الذي لا تجيبه إلا الريح والأصنام، ومجسدًا الشعر في صورة جنية أو نداهة تغوي الشعراء وتسحبهم إلى المتاهة، حتى تتسلل أطياف كبار الشعراء كأبي تمام الذي يأتي صوته حاسمًا بأن السيف أصدق ليبرز الفجوة بين عالم الرؤى المترفة وواقع القتال.

 

 

 

ندَّاهةُ الشِّعر

 

شوقى أبو ناجى شاعر مصرى معاصر، توفى منذ أكثر من عشرين عاما

 و قد قيلت هذه القصيدة قبيل وفاته

 

 

 أَذِّنْ كما شئتَ 

يا شوقى أبو ناجِى 

واستصرخِ الناسَ 

فى الأرضين أو ناجِ

أذِّن كما شئتَ يا شوقى

لتُسمِعَهم 

في كُلِّ فـجٍّ

عميق الغورِ 

عجَّاجِ

أذِّن كما شئتَ 

صَرِّحْ واستعِرْ وأَجِزْ

وحُـجَّ ما شئتَ بالأشعارِ 

أو حاجِ

فلا الفضاءُ الذى تبلو 

بِذى حَرَمٍ

ولا الـذينَ تـُنـاديهم 

بـحُجَّاجِ

 

فى أُذْنِ مَن؟

 أُذنِ أصنامٍ مرصَّعةٍ 

بالزَّيف كالدُّرِّ 

أو بالخوف كالعاجِ؟

أم عابديها 

مُكاءاتٍ و تَصدِيَةً

ليحفظوا طيلسانَ المالِ 

والتَّاجِ؟ 

 

وليس إلاَّيَ 

والرهطُ الذين معى 

على الطريقــةِ 

منهاجاً بمنهاجِ

مصدِّقيكَ وكُلٌّ فى براءَتهِ

دماءُ قلبٍ من الآلامِ أَجَّاجِ

فمُذْ دعتْنا إليها نارُها 

وكوَت جلودَنا 

بين إِبـدالٍ و إنضاجِ

ونحن نَرقبُ خلف البابِ 

نطرقُه

وكم على البابِ 

من غـادينَ نُشَّاجِ

نَروح مثلَكَ 

ندعو مِلءَ صبوتِنا

وأنتَ أدرَى بهزَّاجٍ 

و صنَّاجِ

 

نعودُ 

لا شيءَ غيرَ الريحِ 

قبضتُنا

وغيرَ أحلام إيـهاجٍ 

وإبـهاجِ

وأنتَ مازلتَ 

تُغدِى الريحَ مئذنةً

وتُرسل الشِّـعرَ 

وهَّاجاً بوهَّاجِ

هل مثلَنا 

جاوبَتْكَ الريحُ 

ساخرةً

وصدَّك البحرُ 

أمواجاً بأمواجِ

هل أَودعَ النِّيلُ 

أُذْنَ الماء غربتَه

و حاربَتْكَ نجـومٌ 

ذاتُ أبراجِ

أم أَوعبَ النسغُ فى الأزهارِ 

فاتشحَتْ بنازفٍ 

أحمرِ الأشذاءِ

 مهتاجِ

أَذِّنْ 

فلن تُسمعَ الصُّمَّ الدعاءَ 

ولن تَهدى ضلالاتِ 

عُـمْىِ الرُّوحِ 

سُمَّاجِ

أَيُبرئُ العُمىَ 

قمصانٌ ستنسجُها دمعاً؟! 

فيا لكَ من باكٍ 

ونَسَّاجِ

أم يُوقف الـنَّـزفَ 

قطنُ الشِّعرِ تَحلجُه

فمَن لنـزفٍ جرَى 

مِن قلبِ حلاَّجِ

دعتْه ذاتَ صباحٍ 

ذاتُ أحجيةٍ

لِذَاتِ لَذَّاتِ ذاتٍ 

ذاتِ إلهاجِ

ندَّاهةُ الشِّعر حسناءٌ 

دعتْه وكم 

كم غرَّرتْ 

برهيفِ القلب هدَّاجِ

مزاجةُ الكأسِ للندمانِ 

ما يقظوا

فإن غَـوَوْا 

لم تَدَعْ كأساً لـمزَّاجِ

جنـيَّةٌ لَبِسَتْ روحِى 

إذا خَلَعَتْ دمقسَ ما ترتدى 

مِن تحت ديباجِ

تَزيَّنتْ 

وهْى مِن عُرىٍ مُزيَّنةٌ

بكُلِّ ألْيَنَ ضَرَّاجٍ 

و رجراجِ

رأيتُها وهى تزهو فى مفازتِها

تَبِعْتُها 

وهى من رخوٍ ودملاجِ

وحين ودَّعَ ضوءُ العمر شمعتَهُ

وأوغَلَ الرَّكـبُ 

فى رَهْوٍ و إدلاجِ

وكان برقٌ 

وناسٌ أنتَ تَعرفُهم

يَمضون بين استقاماتٍ و زجزاجِ

نادتْ علينا 

وساقتنا على حِدَةٍ

فيا لـها زوجةً 

أوْدَتْ بأزواجِ

من يومها راح كُلٌّ فى متاهتِهِ

من يومـها 

وأنا ما عُدتُ أدراجِى

أُؤَذِّنُ الصبحَ 

ما لاحتْ بروقُ ندَى

لا الصبحُ يأتى 

ولا ديكُ الرُّؤى ساجِ

أَذِّن معى إن تَشَأْ 

لا مصرُنا حَرَمٌ

و لا الذين نُـنـاديهم 

بحُجَّاجِ

 

ظننتُنى أمسِ 

أنهيتُ الذى بدأَتْ قصيدتى لـكَ 

مِن هَمٍّ و إنـهاجِ

لكنْ وفيما يَرى النُوَّامُ 

كنتُ على

- ولا أسَمِّـيهِ إسرائى ومعراجِى-

حالٍ من الصَّحو و النومِ 

اللذيْنِ معاً تكاثَفَا 

بين إيلاجٍ وإبلاجِ

وكان يَسمُرُ عندى البحترىُّ ..

أبوفراسٍ..المتنبِّى المادحُ الهاجى

نُديرُ كأسَ الرُّؤَى 

والشِّعرُ منسكِبٌ

كسكبِ ماءٍ مِن الشَّلال ثجَّاجِ

والليلُ 

ما بـين إدماجٍ و إبعاجِ

والخيلُ 

ما بـين إدراجٍ و إسراجِ

وبينما نحن مخمورونَ 

هاتَفَنَا 

برِنَّةٍ – لستُ أدرِى - أَم بكرباجِ

كلَسعة البردِ 

يكوِى بردُها رئةً

كحُمرةِ الصَّاجِ

والــنيرانُ فى الصَّاجِ

وجاء صوتُ أبى تمامَ معتذِراً 

يقول: سَلِّمْ على شوقى أبى ناجى

بَلِّغْهُ لولا ظروفُ الحرب

جئتُ لهُ

وقُلْ له دونما لومٍ و إحراجِ

السيفُ أصدقُ 

يا شوقى أبو ناجى

و الناسُ صنفانِ : لا ناجٍ و لا راجِ

فيمَ الأذانُ إذَنْ

لا أرضُنا حَرَمٌ

و لا الذين نناديهم بحُجَّاجِ

 

 

بينما تأخذنا قصيدة الشهادة إلى منطقة صوفية تجريدية تتناول مفهوم العشق والوطن والفداء من خلال حوارية غائمة يدخل فيها الشاعر خدر الفاتنة التي تجمع العشاق والمضحين حولها لنسج حالة من العشق الجماعي القائم على الشرط والعهد، حيث النفوس فداء والمحبوبة روح لا تُمس بالشفاة بل تُحس بالوجدان، وتعتمد على الحوار السريع المتلاحق لتكشف أن هذه العشيقة ليست سوى الفكرة أو الوطن الذي يستحق الفناء والتسامي عن البواح المبتذل. يقول: 

 

 

الشــهادة

 

كُـنَّا  على أرجوحة الوقتِ

الـمُعلَّقِ فى انفساح مجرتينْ

البعضُ يصطادونَ 

فى الأفق المقابلِ

بعضَ أوتار الفراغ ْ

والبعضُ يملأُ كوبَ طاقتِهِ 

هُلامَ رؤىً

ويَنفخها فقاقيعَ احتمالْ

 

وإذا بـمن أَخذتْ بكفِّى 

أَدخلَـتنى خدرَها

حَلَّتْ أمامى شعرَها

و رنتْ وأرختْ سِترَها

و رنتْ وصبـَّت خمرَها

وإذا برأسى 

قد توَسَّد حِجرَها

كفٌّ على شـَـعرى

وكفُّ فوق صدرى 

 أجتلِى أسرارَها

ووجدتُ حين أفقتُ أنى

 كنتُ أَحضن عطرَها

كيف احتوتنى 

قـبَّلتنى 

كيف ضمَّتنى

ولم تمسـَـسْ شفاهى ثغرَها .

 

 

لم  أدرِ 

هل - سُكْراً - ترنحْتُ

هل مازحَتْ قلبى ومازحْتُ

أسأَلتُها عنها 

وعن شُهُبٍ

فى خدرها مِـمَّن تَلَمَّحْتُ

مَن أنتِ؟

شَــهدُ الظنِّ إن رُحتُ

وحقيقةُ الإدراكِ إن لُحتُ

من هؤلاءِ؟

الخاطبونَ

معــاً؟!

هل كنتُ إلا زهرةً 

فُحتُ

لكنهم كُثرٌ !

وأَعشقُـهم..، 

وقد استراحوا ثَمَّ 

وارتحتُ

صارحتـِـهم بالـحُبِّ؟

لا ، 

أنا ما كاتَمتُهم أبداً 

و لا بُحتُ

فالحب يُفسده البواحُ 

وما أفلحتُ لو بالحب أَفصحتُ

لكنهم علِموا؟

أجل علموا 

مما أَبحتُ لهم وأَلـمَحتُ

 

شارَطْتـُهم فى البدءِ 

أنَّ لَهُم مِنِّى تَيقنَهم 

ورابـحتُ

وعليهِمُ الأرواحُ 

ما حـمِيَت نارُ الوطيسِ لظىً

وكافحتُ

ولهم إذا غضبوا 

تمالـحْتُ

ولهم إذا وهنوا 

تسامحتُ

شارطتُهم 

ويقول قائـلُهم:

إن الفناءَ بها هوىً 

بَـحتُ

                        

 

                        

 

أما مَـن استغنى 

فسرَّحتُ

ومن انـثنَى شغــفاً 

فأطمحتُ

فإذا تشاغلَ بى 

تجامـحتُ

وإذا تأرجحَ فىَّ 

رجَّحتُ

ليعودَ هيمانَ الفؤادِ 

فلا يدرى أجئتُ إليه 

أم رحتُ

فإذا استهام مضى 

بغير هُدى

فعلِقتُه ظنًّا و كابـحتُ

مَـن ظنَّ حنَّ

ومَـن يحنَّ فلم يبرحْ

 أذقتُ هوىً 

و برَّحتُ

من ذاق أدركَ مقلتىَّ

ومن يدرِكْ 

صفوتُ لهُ و أَوضحتُ

عيناى كوثرتا اليقينِ

فما أحزنـتـُهم إلا و أَفرحتُ

هم عاشقيَّ 

وهم هواىَ

وكم خاصمتُ عشاقى

وصالحتُ

و مضت تُلوِّحُ لى 

فلوَّحتُ

والأفقُ 

لا فوقٌ ولا تـحتُ

وعلَى خيالى 

طيفُ  فاتنةٍ

مرَّتْ 

كأنَّ خيالَها نحتُ

 

 

وتطل قصيدة القدس كنص ملحمي مكثف يبتعد عن الخطابية المباشرة ليعيد صياغة القضية عبر صور مبتكرة، تبدأ بإقرار حاسم عن كتابة عنها لا لها لوضع حد فاصل بين الشعارات الفارغة والكتابة الواعية التي ترصد تفاصيل البطولة اليومية كخبز الشهداء وألعاب الأطفال، مصورًا المدينة كثقب أسود ومزولة للحقيقة وساعة رملية حان وقت انقلابها 

القدس

 

عنها سأكتبُ لا لها

عنها سأكتبُ 

حينما تَستنفدُ الأيامُ طاقتَها

و تَسكن أعينٌ أطلالَها

عنها سأكتبُ ربما 

تَسترجع الأحلام بهجتَها

و تَنتفض الثوانِى 

تَستعيد جمالَها

عنها سأكتبُ لا كَذِبْ

عن كَفِّ مطرحةٍ 

عليها يخبزُ الشهَداءُ أرغفةَ الغضبْ

عن نار محماةٍ على جمراتـها 

تَتناسخ الأمشاجُ فى صُلب اللهبْ

عن ضِحك طفلٍ 

كاد أنْ – فَجَرَتْهُ قنبلةٌ – يُراودَه اللعبْ

عن سَمْتِ وجهٍ جارحٍ للريحِ

يَرسم ضحكةً أخرى على وجهِ التعَبْ

عنها سأكتبُ لا لـها

عن بَهوِ مُنـزلَقٍ 

إلى كونٍ موازٍ آخرٍ

بابٍ لثقبٍ أسودٍ

يُفضِى إلى 

بابٍ لثقبٍ أبيضٍ

يُفضِى إلى 

أُسَرٍ تَسَامَرُ حول مذياعٍ

مؤشِّرُه على صوتِ العربْ

عنها سأكتبُ لا لـها

عن سحرِ أُحْجِيَتى 

إلى طفلى الصغيرِ لكى ينامْ

عن صوت حرفِ الضادِ

آخرِ ما تبقى من حروفٍ فى الكلامْ

عن معمل الأمصالِ 

عن بنك الدَّمِ المسفوكِ .. 

ختمِ الصالحينَ 

ومجهرِ العلماء فى نُدَفِ الظلامْ

عنها سأكتبُ لا لـها

عن زهد طفلةِ ناسكٍ 

وربيبةِ الأبَد الحدِبْ

عن فرصة العملِ الثمينة للصغارِ

إذا أتوْا زمنَ البطالةِ والشغبْ

عمَّن على عينىَّ راجعةٌ

إلى أيامها الأُولى 

تُوزِّعُ للحيارَى شمسَها

وتُذيب بعضاً من طلاوتـها بِعيدان القصبْ

عنها سأكتبُ لا لـها

عن مصهرِى النُورىِّ

أرشقُ من شذاهُ الحبَّ 

فى صدر النُّوَبْ

عن زيتها القدسىِّ .. عن زيتونها

عن نخلها إذ يَدخل الكُتَّابَ

يتلو آيةَ الكرسىِّ

يَحفظها .. يَتبُّ أبا لـهبْ

عنها سأكتبُ لا لـها

 

عن حلم ساريةٍ

بيومٍ ما يغطِّى شَعرَها عَلَمٌ 

إذا ما داعبَتْهُ نسائمُ التوحيدِ

أَحصَنَها 

و رفرَفَ و اضطَربْ 

و إذا تغنَّى تحته الأطفالُ حيناً 

"يا سماءَ الشرقِ"

ردَّدها و هيَّجَه الطرَبْ

عنها سأكتبُ لا كذبْ

سأقولُ 

مدرسةُ الحجارةِ فى صِباها

تأتى الصِّغارَ 

لكى يُعَرِّفَها الصغارُ على عِدَاها

حتى إذا كبر الزمانُ 

و وَعدُ أُخراها أتاها

عادت تُعرِّفهم على أعدائهم

وتقول خلفى كافرٌ 

وتُشير للباغى يداها

سأقولُ 

لوحاتى التى إن سِبْتُ ريشاتى البسيطةَ

أبدعَتْها وحدَها 

وبدون أن أدرِى السببْ

هى ذلك الدرسُ المعادُ 

بحصَّة التعبيرِ

وهى مقرَّرُ التاريخِ

فرجارُ الخرائطِ حينما يعلو

على هامِ الخطبْ

سأقولُ 

نصفُ العمرِ 

للوطن الـمُشِعِّ

ورحلةُ الكوبالتِ 

فى جسد الحطبْ

أحدُ النيازكِ 

رُصَّدِ الشيطانِ

أَعجبَه المقامُ بسدرة الـمَسرَى

فهاجرَ وانتسَبْ

سأقولُ 

رادارُ النجومِ

محطةُ البثِّ السَّماوىِّ

التى قد أَرضعتْ كل النبيِّينَ 

السلامَ 

ولم تَزلْ عذراءَ 

لـمَّا يَعْرُها حيضٌ 

ولَـم يَطعَمْ ثراها 

غير أنويةِ الرُّطبْ

سأقولُ 

جرنُ الجنَّةِ المأمونُ 

لا تأتى الطيورُ لِسَاحِهِ

إلا تعودُ 

وما بحوصلةٍ سغبْ

سأقولُ بيتُ الشرقِ

كيف ينام هذا الشرقُ

خارجَ بيتِهِ

وهو الذى ما بَعْدُ شبّْ 

سأقولُ ... 

مهما قلتُ أو قالوا

يَظَلُّ كلامُنا فى القدسِ 

عنها لا لـها

فلها الذى 

ما ليس عندى 

و الذى عندى لـها

و لها البنادقُ 

حين لا تُجدِى الكُتُبْ

القدسُ مزولةُ الحقيقةِ 

ساعةٌ رمليَّةٌ 

مُلِئَتْ

وقد آن الأوانُ 

لتَنقلبْ .

 وانظر كيف انتهت القصيدة بتقرير يرجح كفة الفعل الميداني على الكلام ، لأن الكتب لا تجدي حين تتكلم البنادق.

إن إيهاب البشبيشي شاعر كبير جداً ينتمي بأصوله وفكره إلى طينة هذه الأرض الطيبة، امتلك حنجرة تعزف بصدق على أوتار الحزن والكرامة، واستطاع عبر قصائده أن ينسج معمارًا شعريًا فريدًا يجمع بين أصالة التركيب وحداثة الصورة وجعل من التفاصيل البسيطة رموزًا خالدة للوجود والرفض، ليبقى شعره وثيقة وجدانية تشهد على أصالة الروح وعنفوانها.