خبير: العلمين الجديدة نموذج مصري لتحويل آثار الصراعات إلى فرص للتنمية
في ظل مرحلة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تتزايد أهمية الحضور المصري داخل القارة الأفريقية، ليس فقط من خلال التحركات السياسية والدبلوماسية، وإنما أيضًا عبر طرح رؤية تقوم على التنمية وإعادة البناء وتعزيز قدرة الدول والمجتمعات على تجاوز تداعيات الصراعات والحروب.
وتكتسب الرسائل التي توجهها الدولة المصرية تجاه القارة أهمية خاصة، باعتبارها تعكس تصورًا متكاملًا لطبيعة العلاقات المصرية الأفريقية، وأولويات القاهرة في دعم الاستقرار والتنمية واحترام إرادة الشعوب والدول.
وتأتي هذه الرسائل في توقيت تواجه فيه أفريقيا تحديات متشابكة، تتراوح بين النزاعات المسلحة والأزمات السياسية والاقتصادية، فضلًا عن التدخلات والتنافس الدولي على الموارد والممرات الاستراتيجية، وهو ما يجعل الحديث عن مستقبل القارة مرتبطًا بصورة مباشرة بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء نماذج مستدامة للتنمية وإعادة الإعمار.
وفي هذا الإطار، أكد رامي زهدي، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن الكلمات والرسائل التي وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال المنتدى تعكس جوهر وفلسفة فكر الدولة المصرية تجاه القارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن أهمية هذه الرسائل تتضاعف بالنظر إلى التوقيت الحساس الذي يمر به الشرق الأوسط والعالم، وما تشهده الساحة الدولية من تحولات متسارعة.
رسائل السيسي تجاه أفريقيا:
وأوضح زهدي، أن قراءة رسائل الرئيس السيسي لا ينبغي أن تنفصل عن طبيعة الحدث نفسه، مشيرًا إلى أن انعقاد المنتدى وما شهده من حضور واسع وزخم كبير يعكسان اهتمامًا متزايدًا بتعزيز الحوار والتعاون بين مصر والدول الأفريقية.
وأضاف أن الرسائل التي خرجت من المنتدى تعبر عن توجه الدولة المصرية خلال السنوات الماضية تجاه القارة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو التنموي، مؤكدًا أن القاهرة تنظر إلى أفريقيا باعتبارها فضاءً استراتيجيًا للتعاون والشراكة، وليس مجرد نطاق جغرافي يرتبط بمصالح سياسية محددة.
وأشار إلى أن الرسائل المصرية تتصل كذلك بفكرة دعم الدول الوطنية والحكومات الأفريقية وشعوب القارة، مع التأكيد على احترام إرادة الأمم الأفريقية، بما يعكس رؤية مصرية تقوم على دعم الاستقرار باعتباره أحد الشروط الأساسية لتحقيق التنمية.
من آثار الحرب إلى نموذج للتنمية:
وتوقف الخبير في الشؤون الأفريقية أمام دلالة انعقاد المنتدى في مدينة العلمين الجديدة، معتبرًا أن اختيار المدينة لم يكن أمرًا عابرًا، وإنما يحمل رسالة رمزية مرتبطة بفكرة إعادة البناء وتحويل آثار الصراعات إلى فرص جديدة للتنمية.
وأوضح أن العلمين الجديدة أقيمت على أرض ارتبطت لفترة طويلة بآثار الحرب العالمية الثانية، وما خلفته تلك الحقبة من مخاطر الألغام، قبل أن تتحول المنطقة إلى مدينة جديدة ومجال واسع للتنمية والاستثمار.
ويرى زهدي أن هذا التحول يحمل دلالة تتجاوز التجربة المصرية، إذ يقدم نموذجًا لفكرة قدرة الدول والشعوب على تجاوز آثار الحروب والصراعات، وإعادة توظيف المناطق التي ارتبطت تاريخيًا بالأزمات لتصبح مراكز للتنمية والإنتاج والحياة.
أفريقيا قادرة على إعادة بناء نفسها:
وأكد الخبير في الشؤون الأفريقية أن تجربة العلمين يمكن أن تحمل رسالة رمزية للقارة الأفريقية، التي عانت على مدار عقود من صراعات وحروب وأزمات سياسية واقتصادية، مفادها أن آثار الماضي يمكن تحويلها إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وتنمية.
وأشار إلى أن أفريقيا تمتلك الإمكانات التي تؤهلها لإعادة بناء نفسها، ليس فقط من خلال استغلال مواردها الطبيعية، ولكن أيضًا عبر الاستثمار في الأفكار والابتكار والطاقات البشرية، والتحول إلى منتج للأفكار والأعمال والمشروعات.
وأضاف أن القارة لم تعد مطالبة فقط بالتعامل مع الأزمات، وإنما أصبحت أمام فرصة لإعادة تقديم نفسها على الساحة الدولية باعتبارها شريكًا قادرًا على إنتاج الحلول والمشروعات، وليس مجرد منطقة تحتاج إلى المساعدات أو الدعم الخارجي.
التنمية في مواجهة آثار الصراعات:
وتبرز قضية التنمية باعتبارها أحد المحاور الرئيسية في الرؤية التي تحدث عنها زهدي، إذ إن تجاوز الأزمات الأفريقية لا يرتبط فقط بإنهاء النزاعات، وإنما يحتاج كذلك إلى معالجة آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة بناء البنية التحتية وخلق فرص العمل وتعزيز قدرة المجتمعات على استعادة الاستقرار.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تمثل تجارب إعادة الإعمار والتنمية في الدول الأفريقية مدخلًا لتعزيز التعاون بين مصر ودول القارة، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتجارة والاستثمار.
كما أن التركيز على التنمية يمكن أن يسهم في خلق بيئة أكثر قدرة على مواجهة أسباب عدم الاستقرار، من خلال تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في النشاط الاقتصادي وصناعة المستقبل.
وأكد رامي زهدي أن رسائل الرئيس السيسي خلال المنتدى شكلت، في مجملها، ملخصًا واضحًا لرؤية مصر تجاه القارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن هذه الرؤية تقوم على دعم الدول الوطنية والحكومات الأفريقية وشعوبها، واحترام إرادة الأمم الأفريقية.
وتحمل هذه الرؤية في جوهرها تأكيدًا على أهمية الحفاظ على استقرار الدول ووحدتها، إلى جانب تعزيز التعاون المشترك بما يخدم مصالح الشعوب، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه عددًا من دول القارة.
كما تعكس التأكيدات المصرية على احترام إرادة الشعوب أهمية ترك مساحة للدول الأفريقية لتحديد أولوياتها ومساراتها التنموية، مع دعم التعاون القائم على المصالح المشتركة وتبادل الخبرات.
توقيت حساس ورسائل تتجاوز حدود المنتدى:
وتكتسب هذه الرسائل أهمية إضافية في ظل الظروف التي يمر بها العالم ومنطقة الشرق الأوسط، حيث تتزايد التحديات المرتبطة بالأمن والاستقرار والتنافس الدولي، بالتزامن مع أزمات اقتصادية وجيوسياسية تؤثر على العديد من الدول.
وفي هذا السياق، فإن طرح نموذج التنمية وإعادة البناء يكتسب أهمية خاصة، باعتباره محاولة للتأكيد على أن مستقبل الدول لا يجب أن يظل رهينًا بتداعيات الصراعات، وأن الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد يمكن أن يمثل مدخلًا لإعادة صياغة الواقع.
وبحسب رؤية رامي زهدي، فإن رسائل الرئيس السيسي خلال المنتدى لم تكن منفصلة عن مسار التحرك المصري تجاه أفريقيا خلال السنوات الماضية، وإنما جاءت لتؤكد توجهًا أوسع يقوم على تعزيز العلاقات مع دول القارة، ودعم الاستقرار، وتشجيع التنمية، وفتح مساحات أكبر للتعاون والعمل المشترك.