الراوي
القائمة.. عندما يسبق الطلاقُ الزواج!
«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».
كان «شجاع» شابًا بسيطًا، يحلم بحياة هادئة، وزوجة صالحة، وبيت يمتلئ بالدفء أكثر مما يمتلئ بالأثاث. كان يظن أن أصعب ما فى الزواج هو تدبير نفقات الشقة، ومواجهة الأسعار التى ترتفع أسرع من أحلام الشباب، لكنه اكتشف أن هناك ضيفًا آخر ينتظره قبل ليلة الزفاف؛ ضيفًا لا يشارك فى الزفة، ولا يرقص مع المدعوين، لكنه يجلس فى صدر المجلس، اسمه: «قائمة المنقولات الزوجية».
دخل «شجاع» جلسة الاتفاق وهو يتوقع حديثًا عن الأخلاق، والتفاهم، والمودة التى تجمع بين الزوجين، فإذا به يجد نفسه فى اجتماع أقرب إلى لجنة جرد سنوي؛ هذا يذكر أسعار الأجهزة، وذاك يراجع عدد الكراسي، وثالث يتحدث عن النجفة وكأنها قطعة أثرية لا تقدر بثمن، بينما جلس «شجاع» صامتًا يتساءل فى داخله: أين العريس من كل ذلك؟! وأين الزوجة التى سيشاركها العمر؟!
فى البداية ابتسم، وظن أن الأمر مجرد إجراءات عادية، حتى فوجئ بأحد الحاضرين يقول بحزم:
«اكتب كل شيء… الاحتياط واجب».
تعجب الرجل فى نفسه، وسأل سؤالًا بسيطًا:
أى احتياط هذا الذى يبدأ به بيت يفترض أن أساسه الثقة؟!!!
عاد «شجاع» إلى منزله يتذكر جده الذى عاش مع جدته أكثر من خمسين عامًا، ولم يكتب قائمة، ولم يحفظ عدد الأنتريهات، ولم يعرف أساسًا معنى إيصال الأمانة، ومع ذلك حين رحلت الجدة ظل الرجل يذكرها بالرحمة والخير، ولم يذكر يومًا عدد الكراسى التى دخلت بها البيت.
ومع الأيام، بدأ يسمع حكايات أغرب من الخيال؛ شاب وقّع على أشياء لم يرها بعينه، وآخر كتب أجهزة لم تدخل منزله بتاتًا، وثالث وجد نفسه متهمًا أمام المحاكم؛ لا لأنه سرق مالًا، أو خان أمانةً، بل لأن رحلة الزواج انتهت، فتحولت ورقة كُتبت باسم الاطمئنان إلى بداية معركة طويلة.
وكان أغرب ما أثار دهشة «شجاع» أن بعض الأسر تتحدث عن القائمة أكثر مما تتحدث عن الدين والأخلاق؛ يسألون عن عدد الشاشات، ولا يسألون عن أمانة الرجل. يتناقشون فى قيمة الثلاجة، ويتناسون قيمة الاحترام. وكأن الزواج تحول من ميثاق غليظ إلى كشف حساب، ومن بناء أسرة إلى مشروع استثمارى يخشى أصحابُه الخسارةَ قبل أن يبدأ!!!
ما كان يحير «شجاع» هو ذلك الشعور الذى يسبق الزواج، وكأن الجميع يستعد لحرب مؤجلة، أو توقيع وثيقة فشل قبل بدء رحلة النجاح.
وكان يتساءل دائمًا: كيف نطلب من شاب أن يبدأ حياته وهو يشعر أنه متهم حتى تثبت براءته؟ وكيف نرجو المودة بين قلبين، بينما الخوف يجلس بينهما على الطاولة منذ اليوم الأول؟
وفى إحدى الليالي، جلس «شجاع» بجوار والده يحتسيان الشاي، فقال الأب الشيخ مبتسمًا:
«يا بني، الأوراق تحفظ الأثاث، لكنها لا تحفظ القلوب. والثقة لا تُشترى بالأقلام، والمودة لا تُكتب فى دفاتر؛ فالبيت الذى يقوم على الصدق يعيش طويلًا، أما البيت الذى يبدأ بالخوف فسيظل يبحث عن الأمان مهما كثرت الأقفال».
ظل «شجاع» صامتًا يتأمل كلمات أبيه، ثم أدرك أن الإشكالية ليست فى ورقة تُكتب؛ بل فى عقلية أصبحت تستعد للانفصال قبل الزواج، وتفترض الخصومة قبل العشرة، وتبحث عن الضمانات أكثر مما تبحث عن الإنسان نفسه.
وفى طريق عودته، مر بجوار بيت متواضع، كان صاحبه المُسنّ يجلس أمام الباب مع زوجته، يتبادلان الضحكات البسيطة التى صنعتها سنوات طويلة من العشرة الطيبة. لم يكن أحدهما يتذكر قيمة الأثاث الذى اشترياه قبل أربعين عامًا، ولم يكن بينهما كشف حساب، ولا أوراق محفوظة فى الأدراج، لكن كان بينهما شيء أثمن من كل ذلك… الرحمة.
ابتسم «شجاع» يومها، وقال لنفسه:
ربما كانت أغلى الأشياء فى الحياة، هى تلك التى لا يمكن كتابتها فى قائمة… المودة، والرحمة، وراحة البال.
[email protected]