همسة طائرة
50% لمقعد طائرة.. رسالة وفاء لمن أعطوا العمر
ليست كل القرارات التى تصدر داخل صناعة الطيران مرتبطةً بالطائرات والمطارات والرحلات ومواعيد الإقلاع والهبوط. فهناك قرارات أخرى تحلق بمعنى مختلف؛ لأنها تضع الإنسان فى مقدمة المشهد، وتقول إن الخدمة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن هناك من يقدّر عمره وعطاءه.. ومن هنا تأتى دلالة القرار الإنسانى لمصر للطيران، الذى حمل عنوانًا بالغ التعبير: «تقديرًا لعطائهم»، وتضمن منح كبار السن ممن تجاوزوا الستين عامًا تخفيضًا يصل إلى 50% على تذاكر الطيران، وفقًا لدرجات الحجز والقواعد المحددة بالمنشور.
<< يا سادة.. قد يبدو الأمر فى ظاهره مجرد تخفيض على سعر تذكرة، لكنه فى جوهره أكبر من ذلك بكثير.. فخلف كل مسافر تجاوز الستين قصة عمر كاملة؛ سنوات من العمل والمسئولية والكفاح وتربية الأبناء وبناء الأسرة والمشاركة فى مسيرة الوطن... ولهذا فإن أجمل ما فى القرار أنه لم ينظر إلى «السن» باعتباره رقمًا، وإنما باعتباره رصيدًا من العطاء يستحق التقدير.
<< يا سادة.. «تقديرًا لعطائهم».. كلمات قليلة تحمل رسالة كبيرة.. أحيانًا تكون الكلمات القليلة أبلغ من البيانات الطويلة.. وعندما يأتى عنوان القرار بهذه العبارة، فإن الرسالة تتجاوز قيمة الخصم نفسه.. إنها رسالة إلى جيل كامل تقول له: لم ننسَ ما قدمتموه... كما أنها تؤكد أن التقدير الحقيقى لا ينبغى أن يبقى مجرد كلمات فى المناسبات، وإنما يمكن أن يتحول إلى إجراءات يشعر بها الإنسان فى حياته اليومية.
<< يا سادة.. 50% ليست مجرد نسبة.. فى لغة الأرقام، خمسون بالمائة مجرد نسبة.. لكن فى حياة أسرة تريد أن يسافر أحد والديها، قد تكون هذه النسبة فارقًا حقيقيًا.. قد تتيح لأب أن يسافر إلى أبنائه، أو لأم أن تلتقى بأحفادها، أو لزوجين فى عمر الستين وما بعده أن يحققا رحلة طالما أجّلاها... فالطائرة ليست مجرد وسيلة انتقال من مدينة إلى أخرى.. أحيانًا تكون جسرًا بين الإنسان ومن يحب.. أو البحث عن فرصة عمل فى مكان جديد.
<< يا سادة.. الطيران صناعة إنسان قبل أن يكون صناعة طائرات.. نعرف جميعًا أن الطيران صناعة شديدة الدقة، تحكمها القواعد والمعايير والمواعيد والأرقام.. لكن خلف كل هذه المنظومة يوجد إنسان، ومن هنا، فإن تطوير قطاع الطيران لا يقاس فقط بعدد الطائرات الجديدة أو زيادة الطاقة الاستيعابية للمطارات أو افتتاح الخطوط الجوية، وإنما أيضًا بمدى قدرة المنظومة على الاستجابة لاحتياجات المسافر الإنسانية... والقرار الخاص بكبار السن يضيف إلى مفهوم تطوير الخدمة بُعدًا مهمًا: أن تكون الخدمة أكثر قربًا من الناس، وأكثر مراعاة لظروفهم واحتياجاتهم.
<< يا سادة.. من تجاوز الستين.. لم يتجاوز حقه فى الحياة.. هناك أحيانًا نظرة خاطئة إلى كبار السن، وكأن بلوغ الستين يعنى نهاية الطموح والحركة.. بينما الحقيقة أن الإنسان قد يكون بعد الستين أمام أجمل سنوات عمره... قد يجد وقتًا لزيارة الأبناء والأصدقاء، واكتشاف أماكن جديدة، واستعادة أحلام مؤجلة.. ويصبح السفر مساحة لاستعادة الحياة نفسها، ومن حق من تجاوز الستين أن يجد فى منظومة السفر ما يساعده، لا ما يضع أمامه عائقًا جديدًا.
<< همسة أخيرة
<< يا سادة.. فى عالم الطيران نتحدث كثيرًا عن «الوجهة».. لكن بعض الرحلات لا تكون وجهتها مطارًا أو مدينة... بعضها تكون وجهته الفرحة.. وبعضها لقاء ابن أو حفيد.. وبعضها مجرد رغبة فى أن يقول الإنسان لنفسه: ما زلت قادرًا على أن أفتح نافذة جديدة للحياة.
وحين تجعل منظومة الطيران هذه الرحلة أكثر سهولة لمن تجاوزوا الستين، فإنها لا تقدم لهم خصمًا على تذكرة فقط.. بل تقدم لهم تحية وفاء... فالذى أعطى كثيرًا على مدار عمره، يستحق أن يجد من يرد له بعض الجميل، ومن هنا، تبقى التحية للدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، على ترسيخ البعد الإنسانى فى منظومة العمل، وعلى أن يظل تقدير الإنسان حاضرًا إلى جانب تطوير الصناعة.... وتبقى التحية أيضًا للطيار أحمد عادل وقيادات مصر للطيران، ولكل من يواصلون العطاء داخل هذه المنظومة التى تحمل اسم مصر إلى العالم.
*همسة طائرة.. أجمل الرحلات ليست دائمًا تلك التى تأخذنا إلى أبعد مكان.. بل تلك التى تجعل الإنسان يشعر أن عطاء عمره لم يذهب هباءً.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن تقدمه الطائرة أحيانًا.. ليس مقعدًا فى السماء، وإنما نافذة جديدة للحياة.