محطة لقاء
«الرئيس المثالى».. الحكاية أكبر من الأشخاص
هناك محطات فى الحياة لا تحتاج إلى كثير من الكلام، لأن بعض المواقف تقول كل شىء.. ومحطات أخرى تأتى فى توقيت يبدو كأنه رسالة من الحياة، لتضع الحقيقة فى مكانها الصحيح، وتمنح الإنسان الذى تعرض للضجيج مساحة من الإنصاف لا تصنعها الكلمات، وإنما تصنعها مواقف الناس. وهكذا كانت محطة لقائنا مع مشهد تكريم العاملين لسهير موسى، رئيس مصر للطيران للخدمات الجوية، واختيارها «الرئيس المثالى».. مشهد قد يبدو فى ظاهره مجرد تكريم، لكنه بالنسبة لى كان أكبر من ذلك بكثير؛ لأنه يحمل شهادة ممن يعيشون تفاصيل العمل، ويرون الإدارة عن قرب، ويعرفون المواقف والقرارات فى أوقاتها الحقيقية.
<< لطالما آمنت أن النقد المهنى ضرورة، وأن الصحافة الحقيقية لا تعرف المجاملة، لكنها فى الوقت نفسه لا تعرف الظلم. فالصحافة ليست معركة لإسقاط الأشخاص، ولا مساحة لتصفية الحسابات، وإنما مسئولية للبحث عن الحقيقة كاملة.. ولهذا يصبح ما يسمى أحيانًا بـ«الإعلام الموازى» مصدرًا للقلق عندما يتحول من مساحة للرأى إلى محاولة لصناعة صورة ذهنية عن أشخاص أو مؤسسات بعيدًا عن الوقائع، أو عندما يصبح الهجوم على الناجحين أسهل من قراءة أسباب نجاحهم.
<< وما لفتنى فى تكريم سهير موسى ليس اللقب وحده، وإنما الجهة التى جاءت منها الشهادة.. «العاملون».. هؤلاء لا يرون المسئول فى المناسبات فقط، ولا يعرفونه من الصور والأخبار، وإنما يلتقون به يوميًا، ويعرفون كيف يستمع، وكيف يدير، وكيف يتعامل مع الأزمات والضغوط. ولهذا فإن تقدير العاملين لأى قيادة يحمل معنى إنسانيًا ومهنيًا خاصًا.. ولا يعنى ذلك أن أى مسئول فوق النقد، أو أن التكريم يلغى حق الاختلاف، لكنه يعنى أن الصورة لا ينبغى أن تُرسم من زاوية واحدة. فكما نقرأ ما يقال عن المسئول، يجب أن نسمع أيضًا ما يقوله أهل مؤسسته عنه.. وربما أجمل ما فى بعض النجاحات أنها لا تحتاج إلى حملات للدفاع عنها؛ يكفى أن تظهر آثارها فى بيئة العمل، وأن يشعر بها العاملون، وأن تأتى فى لحظة ما شهادة صادقة لا تحمل ضجيجًا ولا رغبة فى إثبات شىء.
<< وفى قطاع الطيران تحديدًا، لا يمكن اختزال النجاح فى شخص واحد؛ فخلف كل شركة ناجحة منظومة من العاملين، وخلف كل خدمة تقدم للمسافر جهد كبير، وخلف كل خطوة تطوير مسئوليات وقرارات وتعاون بين إدارات متعددة.. ومصر للطيران، باعتبارها الناقل الوطنى، ليست مجرد اسم فى قطاع الطيران، وإنما جزء من صورة مصر أمام العالم. ومن هنا تصبح المحافظة على نجاح مؤسساتها مسئولية مشتركة بين الإدارة والعاملين والإعلام؛ ننتقد عندما يكون هناك ما يستحق النقد، ونشيد عندما يكون هناك ما يستحق الإشادة، وفى الحالتين تظل الحقيقة هى البوصلة.
<< الشعب المصرى يعرف من يقف فى ظهره
<< ولأننا فى مصر نعرف معنى أن يقف الناس إلى جوار من يرونه يعمل من أجلهم، فإننى أؤمن أن المواطن المصرى لا تخدعه الحملات طويلًا. قد يسمع، وقد يختلف، وقد يتساءل، لكنه فى النهاية يعود إلى ما يراه بعينيه وما يلمسه فى حياته، وإلى شهادات من حوله، ولهذا تبقى ثقة الناس أغلى من أى إشادة، ويبقى تقدير العاملين داخل المؤسسة شهادة لها وزنها، لأنها تأتى من قلب التجربة.
<< خلاصة اللقاء
<< ربما لم تكن هذه المحطة عن سهير موسى وحدها، بل عن معنى أكبر: «أن النجاح لا ينبغى أن يتحول إلى تهمة، وأن الاختلاف لا ينبغى أن يتحول إلى خصومة، وأن النقد لا يفقد قيمته عندما يكون مهنيًا، كما أن الإشادة لا تفقد صدقها عندما تأتى من أصحابها.. قد يعلو الضجيج لبعض الوقت، وقد تتعدد الروايات، لكن الحقيقة لديها دائمًا طريقة خاصة فى الظهور.. وأحيانًا لا تحتاج الحقيقة إلا إلى أن يتحدث أهلها».
<< محطة لقاء.. ويبقى أجمل ما فى كل محطة أن نخرج منها أكثر يقينًا بأن الأثر الطيب لا تصنعه الكلمات وحدها، وأن من يزرع التقدير فى قلوب الناس، سيجد يومًا من يحصد له هذا التقدير فى موقف صادق لا يحتاج إلى كثير من الشرح.