بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أهمسة التخطيط فى صناعة الدواجن

كيف نزرع الجدود على 4300 فدان ونترك التسمين ينزف عند المذبح؟ 
فى الوقت الذى تتجه فيه الدولة بخطى حثيثة نحو تحقيق التنمية المستدامة والأمن الغذائي، وتطلق مبادرات عملاقة لتوطين الصناعات الاستراتيجية، يقف قطاع الدواجن فى مصر أمام تناقض صارخ يثير العجب ويطرح علامات استفهام جادة حول أولويات التخطيط والاستثمار فى هذا القطاع الحيوى الذى يمس القوت اليومى للملايين.
كيف يستقيم عقلاً أن نتحدث عن التوسع فى مشاريع سيادية كبرى، مثل تخصيص 4300 فدان لإنشاء مشاريع لجدود الدواجن لتحقيق الاكتفاء الذاتى من السلالات الداجنة، بينما نعجز فى الوقت نفسه عن إدارة وتنظيم الحلقة الأخيرة والأساسية فى منظومة الإنتاج؟! كيف ننفق المليارات لإنتاج «الجدود» و«الأمهات»، بينما نقف مكتوفى الأيدى أمام فائض من دجاج التسمين الأبيض يُباع حيًا فى الأسواق، معرضًا المربين لتقلبات السعر اليومية وخسائر فادحة تهدد بخراب بيوتهم وخروجهم من السوق؟
إن الأزمة الحقيقية التى تواجه صناعة الدواجن اليوم ليست فى القدرة الإنتاجية؛ فالمربى المصرى أثبت كفاءة عالية فى تحقيق فائض إنتاجى من اللحم الأبيض. لكن المعضلة تكمن فى غياب الرؤية المتكاملة للسلعة.
الدواجن البيضاء سلعة حية سريعة العطب، والتأخر فى بيعها يومًا واحدًا بعد اكتمال دورة التسمين يعنى استهلاكًا إضافيًا للأعلاف وتراجعًا فى معامل التحويل، أى تحول الربح إلى خسارة محققة. وفى ظل غياب شبكة قوية من المجازر الآلية الحديثة، ومراكز التبريد والتجميد القادرة على استيعاب هذا الفائض وتحويله إلى «منتج مجهز وقيمة مضافة»، يظل المربى تحت رحمة السماسرة وبورصة الدواجن اليومية.
بيع الدواجن حية ليس مجرد هدر اقتصادى يفقد الدولة فرصة التصدير أو خلق صناعات تحويلية قائمة على المصنعات والأنشطة المكملة، بل هو أيضًا تهديد مباشر للمنظومة الصحية والأمن الحيوى الذى نطمح لتحقيقه.
إن إنشاء مجازر آلية متطورة ليس رفاهية استثمارية، بل هو «صمام الأمان» للثروة الداجنة فى مصر. المجزر الآلى هو الملاذ الذى يمتص الفائض فى أوقات انخفاض الأسعار، حيث يتم الذبح، والتجهيز، والتعبئة، والتجميد، مما يحفظ للمنتج حق الاستمرارية وللمستهلك ثبات الأسعار، ويمنح الاقتصاد القومى «قيمة مضافة» حقيقية بدلاً من بيع المادة الخام (الطائر الحي) بأبخس الأثمان.
كيف نفكر فى بناء السقف (جدود الدواجن) بينما الأساس (المجازر وتسويق المنتج النهائي) يعانى من التصدع؟ إن الاستثمار فى الجدود خطوة استراتيجية بلا شك لتقليل الاستيراد وتوفير العملة الصعبة، لكن هذه الخطوة تفقد جوهرها وفائدتها إذا كانت القاعدة الإنتاجية تسقط يوميًا تحت وطأة الخسائر المتراكمة للمربين!
إننا نضع هذه الحقائق أمام معالى وزير الزراعة، وصناع القرار فى قطاع الاستثمار والتنمية الزراعية، مشفوعة بصرخة استغاثة من المربين والمنتجين:
إن التوسع فى مشاريع الجدود والأمهات يجب أن يسير بالتوازى مع خطة تنفيذية حازمة للتوسع فى إنشاء وتحديث المجازر الآلية وتوفير خطوط التبريد والتجميد. فلا يمكن الاستمرار فى ترك تسعير الدواجن البيضاء لآليات العرض والطلب العشوائى للطائر الحي؛ فلابد من تفعيل خطة استراتيجية لتحويل تداول الدواجن إلى «مجمدة ومبردة» تدريجيًا لحماية المنتج والمستهلك، وتقديم تسهيلات وإعفاءات للمستثمرين لإنشاء مجازر آلية متطورة بالقرب من مجمعات الإنتاج الداخلى والظهير الصحراوي.
إن تخصيص 4300 فدان لمشاريع الجدود خطوة ممتازة، لكن نجاحها مرهون بوجود سوق منتظم ومجازر تستوعب مخرجات هذه السلالات بعد تسمينها.
إن حماية الثروة الداجنة فى مصر لا تبدأ فقط من المعامل ومزارع الجدود، بل تبدأ من حماية المربى فى المزرعة وتأمين منافذ بيع آمنة تعتمد على التجهيز الآلى والقيمة المضافة. أوقفوا نزيف المربين قبل أن نستيقظ على صناعة بلا منتجين.