بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رئيس واحد لجامعتين بين الحظر والاستثناء

بعد أن وصل عدد الجامعات الأهلية فى مصر حاليا إلى 28 جامعة خرجت من رحم الجامعات الحكومية إلا أن رئاسة هذه الجامعات مازال معظمها يتولاها رئيس الجامعة الحكومية أيضا والجمع بينهما لهذا مازالت عملية الجمع  هذه  تثير كثيرا من اللغط حول مدى موضوعية الإهتمام بأى الجامعتين أكثر من جانب رئيسها هل بالجامعة الأم أم بالجامعة الحكومية ؟ وزاد الجدل أكثر حول العائد المادى لرئيس الجامعتين وهل يكون إجمالى مايتقاضاه رئيس الجامعتين من راتب ومكافآت معا لايزيد عن 35 ضعف الحد الأدنى للأجور ـ أم أن كل جامعة لها عائد مادى مختلف ؟ وقد يعترض الكثيرون على إستمرارية الجمع هذه نظرا لأنها لاتعطى فرصة لقيادات أخرى جديدة تتولى مسئولية هذه الجامعات الأهلية بفكر جديد ومختلف ويختص بهذه الجامعة الأهلية فقط ـ بالإضافة إلى أن هناك  إشكالية قانونية أخرى تتجاوز حدود الاختيار الإداري لهذه القيادات الجامعية لتتصل بجوهر مبدأ المشروعية، وحدود السلطة التقديرية للإدارة، ومدى جواز الجمع بين مركزين قانونيين لكل منهما طبيعته واختصاصاته وضوابط شغله00 فإذا كانت الخبرة العلمية والإدارية من الاعتبارات المهمة في اختيار القيادات الجامعية، فإنها لا تعمل بمعزل عن القانون، ولا يجوز أن تتحول الكفاءة إلى مصدر مستقل للاختصاص، أو أن تصبح الملاءمة الإدارية سبيلًا لتجاوز حظر واجب التطبيق.
وقد اكتسبت المسألة أهمية خاصة في ضوء قرار رئيس الجمهورية رقم 302 لسنة 2010 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون الجامعات الخاصة والأهلية، ثم قرار رئيس الجمهورية رقم 566 لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام هذه اللائحة، ولا سيما ما أضافه القرار الأخير إلى المادة (17) من استثناء يتعلق بعضوية رئيس الجامعة الحكومية في مجلس أمناء الجامعة الأهلية التي أنشأتها الجامعة الحكومية أو ساهمت في إنشائها. 
ومن هنا تتحدد الإشكالية في سؤالين متلازمين: هل ألغى تعديل سنة 2024 الحظر على الجمع بين رئاسة الجامعة الحكومية ورئاسة الجامعة الأهلية، أم أنه اقتصر على استثناء محدد؟ 
وإذا وقعت مخالفة الحظر، فما أثرها على قرار شغل الوظيفة، وعلى القرارات التي صدرت أثناء شغلها، وعلى المراكز القانونية التي نشأت للغير؟
وقد سعدت بالإطلاع على  أحدث دراسة فقهية للمستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة بعنوان : " مدى جواز الجمع بين رئاسة الجامعة الحكومية ورئاسة الجامعة الأهلية التى أكدت فى بدايتا أن الفقرة الأولى من المادة (17) من قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 302 لسنة 2010 باللائحة التنفيذية لقانون الجامعات الخاصة والأهلية الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 2009 التى سطرت حظرًا صريحًا مؤداه:«لا يجوز أن يتولى رئاسة أو عضوية مجلس الأمناء، أو وظائف رؤساء الجامعات الخاصة أو الأهلية ونوابهم وعمداء الكليات ووكلائها ورؤساء الأقسام من يشغل إحدى هذه الوظائف في الجامعات الحكومية أو ما يعادلها فى هيئات البحوث والمراكز العلمية البحثية». ومن هنا يتضح أن العبرة ليست بمجرد المسمى الذي تطلقه الجهة الإدارية على علاقة الشخص بالجامعة، وإنما بحقيقة المركز القانوني الذي يشغله والاختصاصات التي يباشرها.فإذا كان الشخص يتولى حقيقةً رئاسة الجامعة الأهلية، فلا يكفي وصف وجوده بأنه تكليف مؤقت أو تسيير للأعمال لتجاوز الحظر، متى كانت حقيقة الوضع تنطبق عليها الوظيفة التي منع النص الجمع بينها وبين الوظيفة الحكومية.وتلك هي نقطة الانطلاق: الحظر قاعدة واجبة التطبيق، وليس مجرد توجيه إداري يجوز تجاوزه من سلطة وزارية بتقدير الملاءمة.)
                            3 قيود 
وتوضح دراسة د0محمد خفاجى كما جاء قرار رئيس الجمهورية رقم 566 لسنة 2024، الصادر في 3 ديسمبر 2024، أن الفقرة الثانية من  المادة (17)، نصت على أنه:«واستثناء من حكم الفقرة الأولى من هذه المادة يكون رئيس الجامعة الحكومية عضوًا بمجلس أمناء الجامعة الأهلية دون أن يكون رئيسًا أو نائبًا لرئيس مجلس أمنائها، ولرئيس الجامعة الحكومية بعد موافقة مجلسها اختيار من يمثلها فى مجلس الجامعة الأهلية، وذلك كله فى حالة قيام الجامعة الحكومية بإنشاء أو المساهمة فى إنشاء الجامعات الأهلية».) وذلك يكون هناك ثلاثة قيود جوهرية: 
ـ القيد الأول: أن الاستثناء يتعلق بعضوية رئيس الجامعة الحكومية في مجلس أمناء الجامعة الأهلية، وليس بتوليه رئاسة الجامعة الأهلية ذاتها. 
ـ والقيد الثاني : أن رئيس الجامعة الحكومية، حتى في نطاق الاستثناء، لا يجوز أن يكون رئيسًا لمجلس أمناء الجامعة الأهلية أو نائبًا لرئيسه. 
ـ والقيد الثالث: أن الاستثناء مشروط بأن تكون الجامعة الحكومية قد أنشأت الجامعة الأهلية أو ساهمت في إنشائها.)
                          و 3 مراكز قانونية 
وكان من  أهم نتائج هذه الدراسة ضرورة التمييز بين ثلاثة مراكز قانونية كثيرًا ما تختلط في المناقشات العامة: 
1ـ   رئيس الجامعة الأهلية: يخضع للحظر الوارد بالفقرة الأولى من المادة (17) إذا كان يشغل إحدى الوظائف الحكومية الداخلة في نطاقها.
2. عضو مجلس أمناء الجامعة الأهلية: يجوز لرئيس الجامعة الحكومية أن يشغل هذه العضوية استثناءً، إذا تحققت شروط الفقرة الثانية المضافة بقرار 566 لسنة 2024 باللائحة التنفيذية . 3. رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية أو نائبه: لا يشمله الاستثناء؛ إذ حظر النص صراحة أن يتولى رئيس الجامعة الحكومية أيًا من هذين المنصبين في الحالة التي أجاز فيها العضوية.) وهذا التمييز ليس شكليًا؛ كما تقول الدراسة لأن مجلس الأمناء يختلف عن رئاسة الجامعة، ولكل منهما اختصاصاته ومركزه في البنية التنظيمية للجامعة الأهلية.كما أن جواز اختيار رئيس الجامعة الحكومية، بعد موافقة مجلس جامعته، من يمثلها في مجلس الجامعة الأهلية لا يعني أن رئيس الجامعة الحكومية يصبح تلقائيًا رئيسًا لذلك المجلس أو عضوًا فيه بهذه الصفة؛ فالنص نظم تمثيل الجامعة الحكومية على نحو مستقل.ومن ثم فإن أي تطبيق صحيح للقرار يجب أن يبدأ بتحديد المنصب محل البحث، ثم التحقق من انطباق شروط الاستثناء عليه، دون التوسع في تفسيره بما يجاوز عباراته.)
وتجيب الدراسة على سؤال آخر وهو : هل الحظر يتعلق بشغل الوظيفة أو بمجرد تعارض المصالح وذلك بقولها ( قد يقال إن الجمع لا يثير مشكلة إذا كان الشخص قادرًا على التوفيق بين مسؤولياته، أو إذا لم يثبت أنه استعمل اختصاصاته في تحقيق مصلحة شخصية.غير أن هذا القول لا يكفي وحده لنفي الحظر؛ لأن النص ربط المنع بشغل الوظيفة، لا بإثبات وقوع تعارض فعلي في كل حالة.والحظر الوظيفي يختلف عن قواعد تضارب المصالح. فالأولى قد تمنع الجمع ابتداءً حمايةً لاستقلال المركز الوظيفي وانتظام أداء الاختصاص، بينما تتعامل الثانية مع حالات تعارض المصالح التي قد تنشأ عند ممارسة اختصاص معين.)
وتؤكد الدراسة أنه على الرغم من أن احترام قواعد شغل الوظائف القيادية يحقق مصلحة عامة، فإن ذلك لا يجعل دعوى الإلغاء دعوى شعبية مفتوحة لكل شخص.فالأصل أن قبول دعوى الإلغاء يقتضي توافر مصلحة شخصية ومباشرة أو مركز قانوني خاص يتأثر بالقرار المطعون فيه، وفقًا للقواعد التي تحكم دعوى الإلغاء أمام مجلس الدولة.ومن ثم لا يكفي أن يقول الطاعن إن القرار مخالف للقانون، بل يجب أن يبين الصلة القانونية التي تربطه به، والأثر الذي أصابه أو يهدد مركزه القانوني.  وقد تتوافر هذه المصلحة بحسب ظروف الواقعة لشخص يرتبط مركزه الوظيفي بالقرار، أو لمنافس قانوني تتأثر فرصته المشروعة في شغل المنصب، أو لغيرهما ممن يثبت أن القرار مس مركزه القانوني مساسًا مباشرًا.أما مجرد الانتماء إلى الجامعة، أو الرغبة المجردة في حماية المشروعية، فلا يكفي وحده لقبول الطعن.فالمصلحة هي الجسر الذي يصل بين المخالفة المجردة والخصومة القضائية.
حظر وإستثناء
وكشفت الدراسة فى النهاية  ( أن قرار رئيس الجمهورية رقم 566 لسنة 2024 لم يُلغِ الحظر الوارد بالفقرة الأولى من المادة (17) من اللائحة التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 302 لسنة 2010، وإنما أضاف استثناءً محددًا يتعلق بعضوية رئيس الجامعة الحكومية في مجلس أمناء الجامعة الأهلية التي أنشأتها الجامعة الحكومية أو ساهمت في إنشائها، مع منعه صراحة من رئاسة مجلس الأمناء أو النيابة عن رئيسه. وبناءً على ذلك، فإن هذا الاستثناء لا يجوز التوسع فيه ليشمل رئاسة الجامعة الأهلية ذاتها، كما لا يجوز أن تتحول موافقة وزارية إلى إعفاء من حظر لم يمنح النص سلطة الإعفاء منه.) وفي المقابل، فإن ثبوت مخالفة الحظر لا يبرر افتراض انعدام القرار في جميع الأحوال، ولا يستلزم سقوط كل القرارات التي صدرت أثناء شغل المركز، وإنما يقتضي تحديد الجزاء القانوني الصحيح، ثم فحص الآثار اللاحقة بحسب طبيعتها ومدى اتصالها بالعيب، مع حماية الغير حسن النية في الحدود التي يقررها القانون.
لذا تنتهي الدراسة إلى قاعدة جامعة:( أن «الموافقة الوزارية»لا تنشئ استثناءً من الحظر، والاستثناء لا يجوز أن يتجاوز حدوده، وبطلان المركز لا يستلزم بالضرورة سقوط كل آثاره؛ فالمشروعية تقتضي إزالة المخالفة، والعدالة تقتضي تفريد آثارها، واستقرار المراكز القانونية لا يجوز أن يتحول إلى حصانة للمخالفة. )وأن ( الوظيفة الجامعية القيادية ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما مركز قانوني تحكمه قواعد الاختصاص والمشروعية.والكفاءة والخبرة، مهما بلغت قيمتهما، لا تغنيان عن احترام النص؛ كما أن احترام النص لا يقتضي إهدار كل أثر ترتب على المخالفة دون تمييز.وبين صرامة القاعدة القانونية وحماية استقرار المراكز القانونية، تتحدد مهمة القانون الإداري: أن تبقى السلطة في حدود القانون، وأن تُزال المخالفة دون تعسف في آثارها، وأن تظل حماية المرفق العام والغير حسن النية متسقة مع سيادة المشروعية لا بديلًا عنها.)