بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

عندما تتحول المجالس العرفية إلى مسرح للجريمة.. الأثر القانوني للصلح العرفي ( حلقة 2)

قبل سنوات بمحافظة الجيزة عُقدت جلسة عرفية للتوفيق والصلح بين عائلتين بعد مشاجرة ضخمة، كل الأمور كانت عادية إلا أن ما حدث في داخل الجلسة لم يكن عاديًا، فتحولت جلسة الصلح إلى مسرح للجريمة، وبعد أن كان الخلاف مجرد مشاجرة، أصبحت جريمة قتل داخل المجلس بسبب مشاجرة جديدة داخل الجلسة العرفية نتج عنها قتيل.

المجلس وقتها حكم بفدية لأهل المتوفى بالإضافة إلى ذبيحة وتم الدفع، لكن الأمور لم تنتهِ.. ففي اليوم الثاني حدثت مشاجرة جديدة ووقعت إصابات جديدة، وتم الإخلال بعهد المجلس العرفي، الذي انفض وسلكت الأمور مجراها الطبيعي بين ساحات القضاء وقاعات المحاكم.

وفي الجلسات العرفية، تُدار خصومات عائلية عبر آليات تعتمد على الصلح والتوافق، وتتفاوت فيها الأحكام الصادرة، وقد تصل أحيانًا إلى إصدار أحكام مالية أو قرارات تتعلق بمصير أطراف النزاع، وفي بعض الأحيان تتحول جلسات الصلح إلى مسرح للصراع الذي قد يتطور أحيانًا إلى جريمة، وهو ما حدث بالفعل في الحالة السابقة.

اقرأ أيضًا.. 

كيف تُدار جلسات التحكيم العرفي؟ مُحكّم بالغربية يكشف آليات إصدار الأحكام وحدودها (حلقة 1)


قانونية جلسات التحكيم العرفي.. 

العُرف هو قانون غير مكتوب، والالتزام به يتطلب عدة أمور، فعلى سبيل المثال تنفيذ أحكام المجالس العُرفية يتطلب أن يكون رؤساؤها يتمتعون بالنفوذ، ويمتلكون أدوات القوة، فهي بديلة عن المحاكم الرسمية والأجهزة الشرطية، بحسب الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي.

وتُقام جلسات التحكيم العرفي، التي يحضرها أطراف النزاع ومحكّمون وقضاة عرفيون، وتتفاوت طبيعة القضايا التي تنظرها هذه الجلسات من الخلافات البسيطة وصولًا لجرائم القتل، وفي بعض الحالات يمكن للصلح العرفي أن ينهي الخلاف بين الأطراف اجتماعياً لكنه لا ينهي القضية الجنائية، وفقًا للمحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، فيروز الصافي.

فالأثر القانوني للصلح والتنازل يتحدد حسب نوع الجريمة والنص القانوني والإجراء الذي تم أمام النيابة أو المحكمة المختصة، بحسب الصافي، التي ترى أن المجلس العرفي من الممكن أن يُصلح بين الناس معنوياً واجتماعياً، لكنه ليس محكمة وليس من حقه أن يسقط مسؤولية جنائية لم يسمح القانون بإسقاطها.

وفي حالة تحولت جلسة الصلح إلى مشاجرة أو اعتداء أو قتل مَن يتحمل المسؤولية؟ تقول المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة: النظر هنا يكون للواقعة نفسها وليس لكونها حصلت في جلسة صلح، فكل شخص تتحدد مسؤوليته حسب دوره وما ثبت في حقه من أفعال سواء فاعل أو محرض أو شريك وفقاً للقانون، أما منظم الجلسة فمجرد تنظيمه للجلسة العرفية ليس معناه أنه مسؤول عن أي جريمة وقعت في داخلها، لكن لو ثبت أنه شارك أو حرض أو ساعد في ارتكابها هنا المسؤولية الجنائية تبحث في ضوء دوره في الجريمة، مؤكدة أن جلسة الصلح لا تمنح أي شخص حصانة من المسؤولية الجنائية.

للمحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، فيروز الصافي.
المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، فيروز الصافي.

وإذا وقعت جريمة بسبب شروط الصلح العرفي يقع ذلك تحت طائلة القانون، خاصة لو شروط الصلح فيها تهديد أو إكراه أو إجبار أو تضمنت تنفيذ فعل غير مشروع قانوناً، فمجرد توقيع الأطراف عليها لا يجعلها قانونية، ولو ترتب على تنفيذ هذه الشروط وقوع جريمة فالمسؤولية تتحدد لكل شخص بحسب دوره وعلاقته بالفعل، وفي النهاية لا يمكن للصلح العرفي أن يكون غطاء للجريمة الجديدة، وهو ما تؤكده المحامية فيروز الصافي.

وواجهت الصافي بحسب قولها حالات كثيرة تحول فيها الصلح إلى خلاف أكبر، كما أنه من الوارد تحول جلسة الصلح إلى خصومة جديدة، وبدلًا من أن تنهي الخلاف تزيد الاحتقان، خصوصاً لو هناك عدد كبير من أفراد العائلات وكل طرف يرى أنه لابد أن يخرج من المجلس العرفي منتصراً، وعندما يتحول الصلح من محاولة لرد الحقوق إلى محاولة لإجبار طرف على التنازل.

وهناك بعض المجالس العرفية التي تمت وتم الحكم فيها على الطرف المعتدي بذبح مواشٍ فدية، وبالفعل نفذ ولكن الطرف المعتدي لم يستجب وأخلف ما تم الاتفاق عليه بالمجلس، وهذا وفقًا للصافي في قضايا المشاجرات والإصابات والتي يجوز فيها التصالح قانوناً، لكنه لا ينطبق على جرائم القتل، التي يكون فيها التصالح اجتماعياً وعائلياً حقناً للدماء المتتالية، الناتجة عن فكرة الثأر، ومؤخرًا جرت تعديلات جنائية سيتم تطبيقها بخصوص التصالح في جرائم الدم وسيكون التصالح فيها بتخفيف العقوبة والنزول بها من الإعدام إلى المؤبد أو المشدد على حسب ملابسات القضية.

وعن سبب انتشار بعض وقائع العنف على هامش انعقاد الجلسات العرفية في عددٍ من القضايا، يوضح الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن ذلك قد يرجع إلى عدة أسباب، لعل أهمها يتمثل في عدم وجود رادع قوي لتنفيذ الأحكام المنطوق بها داخل المجالس العُرفية، وكذلك عدم قناعة الأطراف أو أحدٍ منها بالقاضي العُرفي وقدرته على إلزام الجميع بتنفيذ الحكم.

ويرى أستاذ علم الاجتماع، أن انتشار المجالس العُرفية يعكس ازدواجية في المعايير والقوانين، بينها باعتبارها مجالس غير رسمية وبين القضاء والمحاكم الرسمية، مشيرًا إلى أن المجتمعات الأقل تقدمًا وتحضرًا خاصة في الريف والبدو والصعيد هم الأكثر ترددًا عليها، قائلًا: "إذا كان وجود العُرف مهمًا في هذه المجتمعات، فيجب ألا تكون مُنفردة، وانعقادها يكون برعاية رسمية".

الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي
الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي

اللواء إيهاب يوسف الخبير الأمني، يرى أن فكرة الجلسات العُرفية كانت سائدة في وقت من الأوقات، مع وجود الشخصيات المؤثرة كـ العُمد وشيوخ البلد، إلا أنه بانتفاء هذه الشخصيات، أصبح انعقاد مثل هذه المجالس يُصاحبه بعض التوترات، خاصة أن القائمين عليها الآن أصبحوا غير قادرين على تفعيل الأحكام.

فسيكولوجية المجتمع المتغيرة هي وراء ضعف تأثير هذه المجالس، وضعف التأثير يسهم في عدم الانصياع للأحكام المنطوق بها، وهنا ينفتح الباب للعنف وتحويل جلسات الصُلح لـمسرح جريمة، في وجود جميع الأطراف المتنازعة وفقًا للخبير الأمني.

والحل هنا في نظر اللواء إيهاب يوسف، يتمثل في إعلاء قيمة القانون، بدلًا من التوجه للمجالس العُرفية خاصة في ظل ضعف تأثير القيادات، موضحًا أن ذلك أيضًا يستلزم أن تكون العدالة في القضاء والمحاكم الرسمية سريعة وناجزة، مع وضع آليات تنفيذ للأحكام بشكل عاجل.

اللواء إيهاب يوسف الخبير الأمني
اللواء إيهاب يوسف الخبير الأمني