بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعز تشتعل.. من جبال اليمن إلى باب المندب ..!!



اليمن لم يعد مجرد حرب داخلية بين الحوثيين والقوى المناوئة لهم
المشهد تغير بصورة أكبر من حدود الجغرافيا اليمنية نفسها
تعز تشتعل من جديد والساحل الغربي يتحرك وباب المندب يدخل دائرة الخطر وفي الخلفية تقف حرب إيران بما تحمله من تداعيات على الخليج والبحر الأحمر وممرات الطاقة والتجارة
وهنا تصبح الجغرافيا هي مفتاح قراءة المشهد
لأن اليمن ليس مجرد دولة تقع في جنوب الجزيرة العربية
اليمن يجلس فوق واحدة من أهم عقد العالم الجيوسياسية
من مضيق هرمز في الشرق إلى باب المندب في الغرب يمتد شريان بحري تتحرك فوقه الطاقة والتجارة والأساطيل وحسابات القوى الكبرى
ولهذا فإن ما يحدث في تعز لا يمكن قراءته باعتباره معركة محلية فقط
في الأول من أكتوبر أعلنت القوات الحكومية اليمنية إحباط هجوم حوثي واسع على عدة محاور في تعز ولحج بالتزامن مع غارات استهدفت مواقع وآليات حوثية بحسب بيانات عسكرية يمنية نقلتها الأناضول
والأهم أن هذا التصعيد يأتي بعد أسابيع شهدت فيها الجبهة الغربية تحولات عسكرية كبيرة
فالهجوم على تعز يأتي في لحظة تبدو فيها الحرب اليمنية وكأنها تخرج من حالة الهدوء النسبي التي عاشتها منذ هدنة 2022 إلى مرحلة جديدة أكثر خشونة
تعز هنا ليست مجرد مدينة
تعز بوابة جغرافية
ومن يقرأ خريطة اليمن يعرف أن السيطرة على تعز أو الضغط عليها لا ينفصل عن الطرق التي تربط الداخل بالساحل الغربي والمخا والمناطق الممتدة باتجاه باب المندب
وهنا يصبح الجبل طريقا
والطريق إمدادا
والإمداد قوة
والقوة في النهاية تتحول إلى نفوذ على البحر
وهذا هو جوهر المسألة
الحوثيون لا يضغطون على تعز فقط من أجل تعز
والقوى المناوئة لهم لا تدافع عن المدينة فقط من أجل المدينة
كل طرف ينظر إلى ما وراء الموقع العسكري
إلى الطريق الذي يمكن أن يفتح أو يغلق
وإلى الساحل الذي يمكن أن يتحول إلى منصة ضغط
وإلى البحر الذي أصبح جزءا من الحرب
وهذا ما يفسر لماذا أصبح باب المندب حاضرا في كل قراءة للمشهد اليمني
فالتطورات الأخيرة شملت مناطق على الساحل الغربي وسيطرة الحوثيين على مواقع وجزر ذات أهمية استراتيجية بحسب تقارير دولية حديثة الأمر الذي زاد المخاوف حول أمن الملاحة في باب المندب
ومن هنا جاءت خطوة التعبئة العامة التي اتخذتها القيادة اليمنية
مجلس النواب وافق على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إعلان التعبئة العامة ثم بدأت مؤسسات الدولة في اتخاذ إجراءات تنفيذية لهذا القرار
والتعبئة العامة في معناها السياسي ليست مجرد رفع درجة الاستعداد العسكري
إنها إعلان بأن الدولة ترى أن الصراع دخل مرحلة مختلفة
لكن السؤال الأهم ليس ماذا يعني قرار التعبئة على الورق
السؤال هو هل تستطيع هذه التعبئة أن تتحول إلى قوة سياسية وعسكرية موحدة على الأرض
وهنا تظهر واحدة من أعقد مشكلات اليمن
المعسكر المناوئ للحوثيين ليس كتلة واحدة
هناك الحكومة والقوات التابعة لها وهناك قوى جنوبية وهناك قوات العمالقة والمقاومة الوطنية وقوى محلية متعددة
وكل طرف يحمل حساباته الخاصة ورؤيته لمستقبل اليمن
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط بين الحوثيين وخصومهم
بل تدور أيضا حول قدرة خصوم الحوثيين على إدارة اختلافاتهم
لأن الحرب الطويلة لا تحتاج فقط إلى السلاح
تحتاج إلى مركز قرار
وإلى خطوط إمداد
وإلى هدف سياسي واضح
وإلى القدرة على تحويل القوى المتعددة إلى جبهة واحدة
وفي المقابل يمتلك الحوثيون ميزة جغرافية شديدة الأهمية
وجودهم في مناطق واسعة من غرب وشمال اليمن يمنحهم عمقا جغرافيا بالقرب من البحر الأحمر
وهذا يجعل الصراع على الأرض متصلا بالصراع على البحر
وهنا تظهر إيران في الصورة
ليس من الضروري أن نضع كل حركة حوثية باعتبارها أمرا إيرانيا مباشرا
لكن العلاقة السياسية والعسكرية بين الحوثيين وطهران أصبحت جزءا أساسيا من قراءة المشهد الإقليمي
والأهم أن حرب إيران نفسها أعادت ترتيب أهمية الجغرافيا البحرية
فإيران تقف عند مضيق هرمز
والحوثيون يتحركون بالقرب من باب المندب
وبين المضيقين توجد واحدة من أهم شبكات التجارة والطاقة في العالم
وهنا تصبح المسألة أكبر من اليمن وإيران
لأن اضطراب هرمز يضغط على الطاقة
واضطراب باب المندب يضغط على التجارة والنقل البحري
وإذا اجتمع الاثنان في لحظة واحدة فإن التأثير لا يبقى محصورا في الشرق الأوسط
بل يصل إلى أسعار النقل والتأمين والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية
وهنا تدخل مصر في قلب المعادلة
قناة السويس ليست مجرد قناة مائية
إنها الامتداد الشمالي الطبيعي للبحر الأحمر
وأي اضطراب طويل في باب المندب يمكن أن ينعكس على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس
ولهذا فإن أمن باب المندب بالنسبة لمصر يرتبط بالأمن القومي والاقتصاد وحركة التجارة الدولية في وقت واحد
أما السعودية فالمعادلة بالنسبة لها أكثر تعقيدا
فهي تواجه الخطر من الجنوب وفي الوقت نفسه تراقب أمن البحر الأحمر وموانئها الغربية وحركة صادرات الطاقة
وقد أعلنت السعودية في الأيام الأخيرة اعتراض صواريخ باليستية أطلقت من اليمن باتجاه مناطق سعودية فيما أعلن الحوثيون بدورهم تنفيذ هجمات لم تؤكد الرياض جميع تفاصيلها
وهنا يصبح السؤال
هل تتحول تعز إلى بداية لهجوم أوسع
أم أن ما يحدث محاولة لاستنزاف الخصم واختبار ردود أفعاله
الهجوم متعدد المحاور يحمل في حد ذاته رسالة عسكرية
وهي أن الجبهة اليمنية قادرة على الاشتعال في أكثر من مكان في الوقت نفسه
لكن المعركة لا تحسمها كثرة المحاور وحدها
الحسم يحتاج إلى القدرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمين خطوط الإمداد ومنع الخصم من إعادة تنظيم قواته
وهنا تبرز أهمية مناطق مثل الوازعية وحيفان والطرق المتجهة نحو الساحل
لأن أي تغير في هذه المناطق يمكن أن يؤثر في شكل المعركة جنوب غرب اليمن
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت تعز نقطة اختبار
إذا بقي القتال محصورا في نطاق محدود فقد يكون الهدف الضغط والاستنزاف وإعادة رسم خطوط التماس
أما إذا اتسعت العمليات باتجاه الساحل الغربي والمخا والمناطق القريبة من باب المندب فإن المعركة ستدخل مرحلة مختلفة تماما
لأنها ستنتقل من صراع على الأرض إلى صراع على الجغرافيا البحرية
وهنا يكمن أخطر ما في المشهد
الحرب الحديثة لم تعد تحتاج إلى احتلال مضيق حتى تستخدمه كورقة ضغط
يكفي أن تصبح الملاحة فيه معرضة للخطر حتى تبدأ الأسواق في إعادة حساباتها
شركة شحن تغير طريقها
وسعر التأمين يرتفع
وساعات الرحلة تطول
وسلاسل الإمداد تتغير
وفي النهاية يدفع العالم كله تكلفة صراع بدأ في مكان بعيد
ولهذا فإن باب المندب ليس مجرد مياه تفصل اليمن عن أفريقيا
إنه أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي
وهذا ما يجعل أي تصعيد حوله محل متابعة دولية واسعة
والأزمة الإنسانية في اليمن تظل الوجه الآخر لهذه الجغرافيا القاسية
فوراء الخرائط والتحالفات والأساطيل هناك مواطن يمني يدفع ثمن الحرب
وتعز نفسها تحمل ذاكرة طويلة من الحصار والنزوح والدمار
وقد شهدت المحافظة في الأيام الأخيرة سقوط ضحايا مدنيين في غارات وقصف متبادل بحسب تقارير نقلت عن مصادر محلية وطبية
وهنا تصبح السياسة أكثر قسوة من الخرائط
فالسياسي يرى خطوطا على الخريطة
والعسكري يرى جبلا وطريقا وموقعا
أما المواطن فيرى بيتا ومدرسة ومستشفى وطريقا إلى الخبز
ومن هذه الزاوية فإن أخطر ما في عودة القتال ليس فقط احتمال تغير خطوط السيطرة
لكن احتمال عودة اليمن إلى دورة طويلة من النزوح والاستنزاف
أما على المستوى الإقليمي فهناك أربعة مسارات يمكن مراقبتها
الأول هو احتواء التصعيد والعودة إلى التفاوض
وفي هذه الحالة تتحول التعبئة العامة إلى أداة ضغط سياسي وعسكري لتحسين شروط أي تسوية
الثاني هو اتساع المعارك داخل اليمن
خصوصا إذا تحولت التعبئة إلى عمليات واسعة ومتزامنة على أكثر من جبهة
الثالث هو انتقال التصعيد إلى البحر الأحمر وباب المندب
وهذا سيكون الأكثر حساسية بالنسبة للملاحة والتجارة الدولية
أما الرابع فهو استمرار الحرب في صورة استنزاف طويل
لا انتصار حاسما ولا تسوية نهائية
جبهات تتحرك ثم تهدأ
وصواريخ وطائرات مسيرة تضغط على الإقليم
ومفاوضات تبدأ ثم تتعثر
وهذا السيناريو قد يكون أخطر من المعركة المفتوحة لأنه يحول الحرب إلى حالة دائمة
لكن هناك سيناريو أوسع يجب ألا يغيب عن المشهد
أن ترتبط كل الملفات ببعضها
اليمن وإيران
باب المندب وهرمز
السعودية والبحر الأحمر
مصر وقناة السويس
والقوى الدولية التي تنظر إلى الممرات البحرية باعتبارها جزءا من أمن التجارة والطاقة
عندها لن يكون السؤال من يسيطر على تعز فقط
بل من يملك القدرة على التحكم في حركة الجغرافيا من الجبل إلى البحر
وهنا تعود الفكرة القديمة في الجغرافيا السياسية
الأرض لا تتكلم لكنها تفرض شروطها
واليمن واحدة من أكثر الدول التي تفرض فيها الجغرافيا نفسها على السياسة
جبال في الداخل
وسواحل طويلة
ومضيق استراتيجي
وقرب من الخليج والقرن الأفريقي
ولهذا فإن كل حرب تبدأ على الأرض يمكن أن تجد طريقها إلى البحر
وكل صراع على السلطة يمكن أن يتحول إلى صراع على الممرات
وكل صاروخ لا يسقط في مكانه قد يغير حسابات أسواق بعيدة
تعز اليوم ليست مجرد عنوان عسكري
إنها اختبار جديد لخريطة القوة في اليمن
وباب المندب ليس مجرد مضيق
إنه عقدة جيوسياسية تقف عندها مصالح اليمن والسعودية ومصر وإيران والقوى الدولية
أما حرب إيران فقد جعلت هذه العقدة أكثر حساسية
لأن الشرق الأوسط عندما يشتعل في أكثر من نقطة لا تبقى الجبهات منفصلة كما تبدو على الخريطة
قد يبدأ الصراع في الخليج
ثم يصل صداه إلى اليمن
وقد يبدأ في اليمن
ثم يصل أثره إلى البحر الأحمر
وقد يتحول اضطراب البحر الأحمر في النهاية إلى أزمة اقتصادية في دول بعيدة عن أرض المعركة
وهنا تكمن فلسفة الجغرافيا السياسية
أن المكان لا يعيش وحده
وأن المضيق الصغير قد يكون له تأثير أكبر من مساحة دولة كاملة
وأن الجبل الذي يبدو بعيدا عن البحر قد يصبح يوما جزءا من معركة على الملاحة الدولية
لهذا فإن معركة تعز الحالية تستحق أن تقرأ من أكثر من زاوية
زاوية عسكرية تبحث عن اتجاهات الهجوم
وزاوية سياسية تبحث عن هدف التعبئة
وزاوية إقليمية تراقب إيران والسعودية
وزاوية اقتصادية تراقب البحر الأحمر وقناة السويس
وزاوية جغرافية تسأل السؤال الأهم
إلى أين يمكن أن تمتد النار إذا خرجت من حدود تعز
فاليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق
إما أن تتحول التعبئة إلى ورقة ضغط تقود في النهاية إلى تسوية سياسية
وإما أن تتحول إلى مقدمة لمواجهة عسكرية واسعة
وفي الحالتين سيظل باب المندب هو العين التي تنظر منها المنطقة إلى مستقبل الصراع
لأن من يفهم اليمن من دون أن يقرأ البحر
لن يفهم الحرب كاملة
ومن يقرأ باب المندب بعيدا عن هرمز وإيران والسعودية ومصر
سيرى مضيقا على الخريطة ولن يرى المعركة الحقيقية
المعركة الآن ليست فقط على مدينة أو جبل
إنها معركة على طرق القوة نفسها
من يملك الأرض
ومن يملك الطريق
ومن يملك الساحل
ومن يستطيع أن يجعل البحر ورقة تفاوض
وهنا تحديدا تقف تعز على حافة فصل جديد
فإما أن تكون شرارة عابرة في حرب طويلة
وإما أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو إعادة رسم خريطة الصراع اليمني
والسؤال الأكبر سيظل مفتوحا
هل تستطيع القوى اليمنية المناوئة للحوثيين أن تحول التعبئة إلى جبهة موحدة
وهل يستطيع الحوثيون الحفاظ على مواقعهم في الغرب دون فتح مواجهة أوسع
وهل تبقى حرب إيران محصورة في ساحاتها المباشرة
أم تبدأ الجبهات المرتبطة بها في المنطقة في التحرك كل منها بطريقته
الإجابة لن تأتي من البيانات وحدها
الإجابة ستكتبها الجغرافيا على الأرض
وقد بدأت أول سطورها من تعز ،،،!!
محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،،
.