ما الذي يحتاج إلى أن يتغير في التفكير الاقتصادي العربي؟
لم يكن العالم العربي فقيراً بالموارد في يوم من الأيام. فهو يضم أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، ويشرف على ممرات بحرية من الأكثر أهمية للتجارة الدولية، كما يمتلك موقعاً جغرافياً يربط بين ثلاث قارات، فضلاً عن قاعدة سكانية شابة تشكل نسبة كبيرة من سكانه. لكن هذه المقومات، على أهميتها، لم تكن كافية وحدها لصناعة التحول الاقتصادي الذي تطمح إليه دول المنطقة.
ولعل ما يميز المرحلة الحالية أن التحديات لم تعد تشبه تلك التي واجهتها الاقتصادات العربية قبل ثلاثين أو أربعين عاماً. ففي السابق، كان الحديث يدور حول بناء البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية وتطوير المؤسسات الحكومية. أما اليوم، فإن المنافسة تدور في مجالات مختلفة؛ التكنولوجيا، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد العالمية، والقدرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.
ولهذا، تبدو قضية إدارة الموارد اليوم أكثر أهمية من الموارد نفسها. فالتجارب الاقتصادية الحديثة توضح أن الدول التي حققت قفزات تنموية كبيرة لم تكن بالضرورة الأغنى من حيث الموارد الطبيعية، وإنما كانت الأكثر قدرة على بناء مؤسسات فعالة، وتطوير نظم التعليم، وخلق بيئات تسمح للأفكار الجديدة بالنمو والتحول إلى مشاريع واقتصادات منتجة.
خلال العقود الماضية، استفادت العديد من الاقتصادات العربية من عائدات النفط والغاز في بناء المدن والطرق والموانئ والخدمات. وقد حققت بعض الدول إنجازات مهمة في هذا المجال. غير أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي اليوم تفرض مراجعة كثير من المسلمات الاقتصادية السائدة. فالموارد الطبيعية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن توفر فرص العمل الكافية للأجيال الجديدة، ولا أن تضمن القدرة التنافسية في عالم تتغير فيه مصادر القوة الاقتصادية بصورة متسارعة.
ومن هنا، تبدو مسألة التنويع الاقتصادي أكثر عمقاً مما تُطرح به عادة. فالقضية لا تقف عند حدود إنشاء أنشطة اقتصادية جديدة، أو زيادة مساهمة قطاع قائم، وإنما تمتد إلى بناء أنشطة قادرة على إنتاج قيمة مضافة حقيقية، وقادرة أيضاً على المنافسة خارج حدود الأسواق المحلية. فالكثير من الاقتصادات استطاعت أن تنمو عندما ارتفعت أسعار السلع أو الموارد التي تمتلكها، لكن عدداً أقل بكثير هو الذي استطاع المحافظة على النمو عندما تغيرت الظروف العالمية.
كما أن تجربة العقود الأخيرة أظهرت أن الاستثمار في البنية التحتية وحده لا يكفي. فالمدن الحديثة والمطارات والموانئ عنصر مهم في عملية التنمية، لكنها لا تستطيع بمفردها إنتاج اقتصاد قادر على المنافسة. وهذا ما يفسر الاهتمام المتزايد عالمياً بالتعليم والبحث العلمي والتقنية والمهارات الجديدة، وكعناصر تدخل اليوم في صميم القوة الاقتصادية للدول.
في العالم العربي، تكمن إحدى الإشكاليات الرئيسية في طبيعة المخرجات التعليمية. فالكثير من الاقتصادات العربية تواجه اختلالات بنيوية واضحة؛ أعداد متزايدة من الخريجين، وفي الوقت نفسه صعوبة في إيجاد المهارات التي تحتاجها الأسواق. وهذه الفجوة أصبحت من أكثر القضايا تأثيراً في قدرة الاقتصادات على النمو واستقطاب الاستثمارات وتطوير القطاعات الجديدة.
كما أن التحولات التكنولوجية المتسارعة تفرض واقعاً مختلفاً على أسواق العمل. فالمهن التي كانت مطلوبة قبل سنوات قليلة تتغير بسرعة، فيما تظهر تخصصات جديدة لم تكن موجودة من قبل. وهذا يعني أن الاقتصادات التي تنجح في المستقبل لن تكون تلك التي تركز على التعليم التقليدي وحده، وإنما تلك التي تستطيع بناء ثقافة مستمرة للتعلم والتطوير واكتساب المهارات.
ومن ناحية أخرى، يظل القطاع الخاص الموضوعات الحاضرة في نقاشات المستقبل الاقتصادي. فالتجارب الدولية تظهر أن الحكومات تستطيع أن تضع السياسات وتبني البنية التحتية وتوفر البيئة المناسبة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تقود النشاط الاقتصادي على المدى الطويل. ولهذا، فإن قدرة القطاع الخاص على التوسع والابتكار وتوفير فرص العمل تبقى محددات رئيسية في أي عملية تحول اقتصادي.
لكن هذا الأمر لا يرتبط بالشركات الكبرى وحدها. ففي كثير من الاقتصادات المتقدمة، جاءت نسبة كبيرة من فرص العمل الجديدة من الشركات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الناشئة. وهذه الفئة ما زالت تواجه تحديات متعددة في عدد من الاقتصادات العربية، تتعلق بالتمويل والإجراءات التنظيمية والوصول إلى الأسواق والقدرة على التوسع.
وفي الوقت نفسه، تفرض التغيرات المناخية تحديات لا تقل أهمية عن التحديات الاقتصادية التقليدية. فالمنطقة العربية تعد من أكثر مناطق العالم المتعرضة لمخاطر ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة والضغوط البيئية. ولهذا، فإن التفكير الاقتصادي في العقود المقبلة لن يجب أن يكون منفصلاً عن قضايا المياه والطاقة والغذاء والموارد الطبيعية.
كما أن قضية التكامل الاقتصادي العربي ما زالت تطرح نفسها بقوة. فمعظم الاقتصادات العربية تعمل في أسواق وطنية محدودة الحجم مقارنة بالكتل الاقتصادية الكبرى في العالم. وبينما تتحرك التجارة والاستثمارات عالمياً ضمن تكتلات وأسواق واسعة، ما زالت المنطقة العربية بعيدة عن الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي يتيحها التعاون الاقتصادي الإقليمي.
وعند النظر إلى هذه التحديات مجتمعة، فإن جوهر ما ينبغي التركيز عليه ليس عما إذا كانت الاقتصادات العربية بإمكانها امتلاك الموارد اللازمة للتنمية، بل بالكيفية التي ستحول بها الموارد إلى مصادر مستدامة للنمو والإنتاج والقدرة التنافسية. فالعالم لا يعاني اليوم من نقص في رأس المال أو التكنولوجيا أو المعرفة، وإنما من تفاوت في القدرة على توظيف هذه المقومات ضمن رؤية طويلة الأجل.
ولهذا، يمكن القول بأن مستقبل الاقتصاد العربي لن يتحدد بحجم ما يمتلكه من موارد طبيعية فقط، وإنما بقدرته على تطوير مؤسسات أكثر كفاءة، وتعليم أكثر ارتباطاً بالواقع الاقتصادي، وبيئات أعمال أكثر قدرة على استيعاب المبادرات الجديدة، وسياسات تنظر إلى التغيرات العالمية بوصفها فرص ينبغي الاستعداد لها لا تحديات ينبغي انتظارها. ويجب أن نعلم بأن التاريخ الاقتصادي لا يميز بين الدول التي تملك الموارد والدول التي لا تملكها، بقدر ما يميز بين المجتمعات التي أحسنت استخدام ما لديها، وتلك التي بقيت تعتمد على ما وفرته لها الظروف لفترة من الزمن.