تطبيع الانحلال الأخلاقي
شهدت الساحة الإعلامية والرقمية في الفترة الأخيرة موجات متلاحقة من المحاولات اللاهثة نحو فرض نمط حياة يتعارض كلياً مع القيم والمبادئ الإسلامية، مستغلة في ذلك منصات التواصل الاجتماعي ورموز التأثير الشبابي لتمرير فواحش وكبائر كانت بالأمس القريب محل استهجان واستنكار جمعي. ولم تكن الواقعة الأخيرة التي تورطت فيها الفنانة المنتمية لعائلة فنية، من خلال حضورها ورعايتها لما أسمته بحفل صداقة يتضح جلِياً من مقاطع الفيديو الموثقة أنه حفل زفاف مكتمل الأركان بين رجلين، إلا حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من المحاولات الخبيثة للالتفاف على الحقيقة وإلباس الباطل ثوب البراءة والاعتيادية. إن الادعاء بأن الحفل لم يكن سوى تجمع لشباب برفقة صديقاتهم يسقط تماماً أمام شواهد البث المرئي التي أظهرت طقوس الزواج وتبادل الخواتم بشكل صريح، مما يجعل التبرير الإعلامي محاولة مكشوفة لتضليل الجمهور واستغفال وعيه الجمعي.
ولا يقف الأمر عند حدود كشف الزيف وتفنيد الرواية المكشوفة، بل إن هذا التبرير الكاذب ينطوي في ذاته على إدانة صريحة ومباشرة لصاحبته، إذ حتى لو سلّمنا جدلاً بصحة تلك الادعاءات، فإن الاحتفاء بعلاقات الإباحة الجسدية خارج إطار الشرع أو الأخلاق يمثل في جوهره تطبيعاً كاملاً مع الانحلال الجنسي وتجميلاً للزنا والممارسات المحرمة. إن محاولة تصوير هذه المظاهر كنوع من العفوية أو الصداقة العابرة هي بمثابة احتفال صريح بالفواحش وإضفاء مشروعية اجتماعية على نمط حياة يضرب الثوابت الأخلاقية في مقتل، حيث يُستبدل المسمى الأصلي للكبائر بمصطلحات براقة ومقبولة اجتماعياً مثل الصداقة، والحرية الشخصية، والتفتح الفكري. إن تصدير فتاة مسلمة تنتمي إلى خلفية فنية ومجتمعية معروفة لهذا المشهد، ومشاركتها في إضفاء الشرعية على هذه الأفعال، يمثل اختراقاً خطيراً للخطوط الدفاعية للأخلاق، ومكمن الخطر هنا لا يكمن فقط في الفعل ذاته، بل في جرأة الدفاع عنه وتزوير حقيقته عبر المنصات الرقمية.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تسارعاً ملحوظاً في المحاولات اللاهثة لنقل النموذج الغربي للحرية الجنسية والانحلال الفكري إلى المجتمعات العربية والإسلامية، بأساليب متعددة تتدرج من التلميح إلى التصريح. وقد رأينا كيف تُستغل المسلسلات الدرامية، والأعمال السينمائية، وحتى الحملات الإعلانية وصناع المحتوى، في تقديم نماذج اللواط على أنها أمر طبيعي وجزء من التنوع البشري المقبول. إن الأمثلة على ذلك أصبحت أكثر من أن تُحصى، بدءاً من إقحام الشخصيات المنحرفة في الأعمال الموجهة للأطفال والشباب، مروراً بالدفاع المستميت عن المنحرفين تحت شعارات حقوق الإنسان والتسامح، وصولاً إلى تنظيم فعاليات وحفلات يُصنع لها غطاء إعلامي مموه لتقبل هذه الظواهر تدريجياً حتى تزول الفجوة الاستنكارية لدى الأجيال الناشئة.
إن المقصد الأساسي من هذه المحاولات المتكررة يكمن في استهداف النواة الصلبة للمجتمع المسلم، وهي الفطرة السليمة والأسرة المسلمة، حيث يدرك القائمون على هذه الأجندات أن هدم العقيدة والأخلاق لا يتم عادة بالهجوم المباشر، بل بالتفتيت التدريجي والمعالجة البطيئة للوعي الجمعي. عندما يُعتاد المشهد المنكر، وعندما يتولى الدفاع عنه شخصيات مشهورة ومحبوبة لدى الشباب، يتلاشى الدافع الإيماني والخلقي للإنكار، ويصبح المنكر أمراً واقعاً يُناقش في إطار القبول والرفض لا في إطار الحلال والحرام. إن هذا المخطط يعتمد بالأساس على سلب الأمة هويتها الإيمانية، وجعلها تابعة للنمط الغربي الذي يعاني أصلاً من التفكك الأُسري والأخلاقي والانهيار المجتمعي، مما يجعل الاستسلام لهذه الموجات بمثابة انتحار حضاري وأخلاقي للأمة.
وهنا يأتي الدور المصيري لمؤسسات الدولة، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقف الدولة موقف المتفرج أو الصامت أمام هذه المحاولات المتكررة لهدم الدين وثوابته؛ فلأن هدم الدين يستتبع بالضرورة انهيار الأسرة وتفكك بنيانها، وتجريف المبادئ والأخلاق التي يقوم عليها التماسك المجتمعي، فإن التغاضي عن هذه الفواحش يهدد السلم الأهلي والاستقرار العام. إن التاريخ الإنساني يشهد أن تصدع القيم المرجعية وذوبان الضوابط الأخلاقية كانا دائماً المقدمة الحتمية والشرارة الأولى للانهيار الشامل للمجتمعات وفناء الأمم والمجتمعات؛ فالأخلاق ليست مجرد رفاهية سلوكية، بل هي العاطف والضامن لوجود الدولة واستمرارها. ومن هذا المنطلق، تصبح حماية الفطرة وصيانة الدين والأخلاق العامة من صميم أوجه أمن المجتمع القومي، مما يستوجب حزماً قانونياً وتربوياً يضع حداً لكل من تسول له نفسه العبث بالهوية والدين.
أمام هذه الموجه الصاخبة من التزييف والجرأة على ثوابت الدين والأخلاق، تصبح المسؤولية جماعية ولا تقتصر على جهة دون أخرى، بل تتطلب يقظة شاملة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية والإعلامية والدينية بالتكامل مع الأجهزة التنفيذية. يجب مواجهة الممارسات التبريرية بكشف الحقائق وتسمية الأمور بمسمياتها الشرعية واللغوية الصحيحة دون مواربة، ودون السماح للكفر والفسوق والإنحلال بالتخفي خلف مصطلحات الحرية والتفتح. إن حماية الأجيال القادمة من هذا الانجراف الممنهج نحو الفسوق والضياع تستدعي بناء حصانة فكرية وتربوية صلبة تعتمد على ترسيخ الاعتزاز بالهوية الإسلامية، والتعريف بمخاطر هذه السلوكيات على الفرد والمجتمع، ليبقى المجتمع العربي والمسلم عصياً على محاولات الاختراق الأخلاقي والتطبيع مع الانحلال مهما تنوعت وسائله وتعددت وجوهه.