أمام المجهول
أثارت الخطط الألمانية الجديدة المتعلقة بإعادة السوريين إلى بلادهم جدلاً واسعاً، خصوصاً مع تداول أرقام تصل إلى 700 ألف سوري. لكن وصف الأمر بأنه «ترحيل 700 ألف سوري» لا يعكس بدقة الوضع القانوني القائم؛ فعدد السوريين الموجودين في ألمانيا يقارب 916 ألفاً، بينما تشير بيانات الحكومة الألمانية إلى أن نحو 9,856 سورياً فقط كانوا ملزمين بالمغادرة في نهاية يونيو/حزيران 2026.
المشكلة الأساسية في السياسة الألمانية ليست في مبدأ مراجعة أوضاع الإقامة بعد تغير الظروف في سوريا، فهذا إجراء يمكن أن يكون مشروعاً إذا جرى وفق القانون وبناءً على تقييم فردي. المشكلة تكمن في تحويل العودة من قرار فردي مرتبط بالأمان والوضع القانوني إلى هدف سياسي واسع قد يضغط على مئات الآلاف للعودة، رغم استمرار المخاطر الأمنية والإنسانية في سوريا.
علاوة على ذلك، يرى الباحث في شؤون التنمية في الشرق الأوسط جوزيف داهر أن عودة اللاجئين إلى سوريا في الظروف الراهنة تواجه عقبات كبيرة بسبب الدمار الواسع والأزمة الاقتصادية وضعف قطاع الخدمات العامة، وانعدام الاستقرار السياسي.
وينقل الباحث عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قولها إن عودة اللاجئين الآن تضع البنية التحتية العامة والخدمات الاجتماعية المثقلة أصلًا تحت ضغط إضافي، ولا سيما في المناطق المكتظة بالنازحين.
في الوقت ذاته يقول إن الحاجة إلى إعادة إعمار سوريا هائلة، إذ يقدر البنك الدولي تكاليف إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري.
فالحكومة الألمانية ترى أن سقوط نظام بشار الأسد غيّر الظروف التي أدت إلى منح كثير من السوريين الحماية، ولذلك ينبغي إعادة تقييم احتياجاتهم. وقد تحدث المستشار فريدريش ميرتس عن ضرورة توفير خيار موثوق للعودة، كما أشار إلى رغبة سورية في عودة نحو 80% من السوريين الموجودين في ألمانيا خلال السنوات المقبلة.
لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً. فوزارة الخارجية الألمانية ما زالت تصدر تحذيراً من السفر إلى سوريا، وتصف الوضع الأمني بأنه متوتر وغير مستقر، مع استمرار الهجمات ومخاطر الاعتقال والعنف في مناطق مختلفة.
وهنا تظهر المفارقة: كيف يمكن لدولة أن تدفع نحو عودة واسعة في الوقت الذي تحذر فيه مواطنيها من السفر إلى البلد نفسه؟ الإجابة لا يمكن أن تكون سياسية فقط؛ بل يجب أن تستند إلى تقييم أمني وإنساني دقيق لكل حالة.
كما أن أرقام العودة الفعلية لا تدعم فكرة وجود موجة جماعية وشيكة. فقد عاد آلاف السوريين طوعاً، لكن الأعداد ما زالت محدودة مقارنة بحجم الجالية السورية في ألمانيا. وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تغير الظروف قد يؤدي إلى مراجعة وضع الحماية، لكنه لا يعني تلقائياً فقدان حق الإقامة في كل حالة.
لذلك، فإن القضية الحقيقية ليست ترحيل 700 ألف سوري، وإنما مستقبل الحماية القانونية لمئات الآلاف منهم. وبين حق ألمانيا في إدارة سياسة الهجرة وحق اللاجئ في الأمان، يجب أن يبقى معيار القرار هو القانون والواقع الأمني، لا ضغط الرأي العام أو الحسابات الانتخابية. فالعودة الناجحة لا تُفرض بقرار إداري؛ وإنما تصبح ممكنة عندما تتوافر في سوريا شروط الأمن، والاستقرار، والعمل، والحياة الكريمة.
في النهاية، تبقى قضية عودة السوريين من ألمانيا اختباراً حقيقياً لقدرة برلين على الموازنة بين تشديد سياسة الهجرة واحترام الالتزامات الإنسانية والقانونية. فالعودة الآمنة يجب ألا تتحول إلى أداة ضغط سياسي، بل إلى خيار مدروس يراعي ظروف كل فرد، ويضمن أن تكون سوريا قادرة على استقبال العائدين بسلام وكرامة.