بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لفت نظر

«آبى أحمد» يدفع ثمن اللعب بالنار

هناك لحظات فى تاريخ الدول تتحول فيها الأحداث إلى إشارات على تغيير قواعد اللعبة. وما يجرى فى إثيوبيا يبدو واحدا منها.. أساسى أفورقى حليف الأمس لأبى أحمد أصبح خصمه بعد تقاطع المصالح فى البحر الأحمر وقومية «تيجراى» ذات الأصول الإرترية تعود إلى المشهد، والعلاقات الإثيوبية المصرية تتجه إلى مزيد من التوتر، بينما يظل سد النهضة أكبر ورقة استراتيجية لأديس أبابا وأكبر مصدر قلق للقاهرة.. آبى أحمد يواجه اليوم بعض الأشباح التى ساهم فى صناعة ظروف عودتها.
ففى حرب 2020 كانت «تيجراى» الخصم الرئيسى، بينما وقفت إريتريا إلى جانب أديس أبابا عسكريا والحرب انتهت وقتها باتفاق بريتوريا، الذى لم ينه أسباب الصراع الإثيوبى، ولم يحسم الأسئلة المتعلقة بتوزيع السلطة والهوية وشكل الفيدرالية وحدود النفوذ بين القوميات. لذلك لم يكن الاتفاق سوى تهدئة مؤقتة لصراع أعمق، سرعان ما بدأت تناقضاته فى الظهور.
إثيوبيا دولة متعددة القوميات تتقاطع داخلها الحسابات المحلية مع رهانات إقليمية، وحين تضعف الجبهة الداخلية، يصبح الخارج أكثر تأثيرا، وحين تتوتر الحدود، تصبح الخلافات الداخلية أكثر قابلية للانفجار.
لذلك تحولت إريتريا من حليف عسكرى إلى خصم لأبى أحمد، والتعاون الذى جمع الطرفين خلال حرب «تيجراى» لم يكن قائما على تطابق دائم فى المصالح، بل على عدو مشترك. ومع انتهاء المعركة، عادت الملفات المؤجلة إلى الواجهة، وفى مقدمتها مسألة النفوذ الإقليمى والوصول إلى البحر الأحمر.
إثيوبيا دولة حبيسة، والوصول إلى البحر الأحمر يمثل بالنسبة إلى آبى أحمد رؤية استراتيجية تتصل بالاقتصاد والأمن ومكانة البلاد الإقليمية.. وما تراه أديس أبابا مصلحة قومية تعتبره أسمرة تهديدا لأمنها وسيادتها. وهكذا انتقل مركز التوتر تدريجيا إلى البحر، ومن التحالف العسكرى المؤقت إلى صراع أوسع على النفوذ والممرات الاستراتيجية.
ثم دخل سد النهضة على الخط، لا بوصفه سببا مباشرا لحرب «تيجراى»، بل باعتباره جزءا من البيئة الإقليمية التى تتحرك فيها أديس أبابا. مصر تدرك تعقيدات المسألة وعليها ألا تنجر إلى صراعات الداخل الإثيوبى، بل أن تقرأ المشهد باعتبار أمنها المائى مرتبطا بأمن محيطها الإقليمي. فالقضية ليست آبى أحمد أو «تيجراى» أو إريتريا وحدها، بل صراع أوسع على مفاتيح القرن الأفريقى وقواعد اللعبة فى البحر الأحمر والنيل. ويقتضى ذلك الجمع بين حماية المصالح المائية، وتجنب الرهانات التى قد تدفع الأزمة الإثيوبية نحو مزيد من التدويل والتصعيد.
وهنا يصبح سد النهضة أكثر من سد.. إنه قطعة على رقعة شطرنج أكبر بكثير من مياهه فهو يتقاطع مع مستقبل الدولة الإثيوبية، وعلاقاتها بجيرانها، وموقعها فى البحر الأحمر، وحسابات مصر والسودان، وتنافس القوى الدولية على القرن الأفريقي.
آبى أحمد ليس لديه هامش واسع للمناورة وعليه أن يختار بين احتواء النار قبل أن تصبح قدرا إقليميا، أو يكتشف متأخرا أن اللعب بالنار وصل إلى أصابعه وملابسه ووقتها سوف يسقط وتنتهى معه كل الألاعيب التى فعلها طيلة السنوات الماضية.
[email protected]