المواطن أولًا.. خريطة طريق رئاسية لتخفيف الأعباء
حمل اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسى مع رئيس مجلس الوزراء والوزراء والمحافظين وقيادات الدولة وعدد من العمد والمشايخ والخبراء، رسالة واضحة إلى كل مسئول بأن المواطن يجب أن يشعر بثمار ما تقوم به الدولة، وأن تخفيف الأعباء عنه وتحسين مستوى الخدمات المقدمة إليه يجب أن يتحولا من أهداف عامة إلى إجراءات تنفيذية ملموسة ليشعر المواطن بتحسن فى مستوى المعيشة وكفاءة الخدمات وتلبية احتياجاته.
واللافت فى توجيهات الرئيس أنها وضعت حسن معاملة المواطن وحل مشكلاته اليومية فى صدارة مسئوليات الجهاز التنفيذى، بالتوازى مع الملفات الكبرى المرتبطة بالأمن القومى والاقتصاد والسياسة الخارجية، وهو ما يضع كل مسئول وزير أو محافظ أو قيادى فى أى جهة أو موظف عام أمام مسئولياته وأن يجعل المواطن دائما نصب عينيه.
وتأتى أهمية توجيه الرئيس لوزارة الداخلية بشأن ترشيد تكاليف تراخيص السيارات، باعتباره نموذجًا واضحًا لملف يمكن أن يلمس المواطن أثره بصورة مباشرة، فهناك العديد من الخدمات الحكومية التى يمكن مراجعة تكلفتها وإجراءاتها بهدف إزالة أى أعباء غير ضرورية وتبسيط الإجراءات، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية التى فرضت على الأسر المصرية ضغوطًا متزايدة، وكانت الوزارة سريعة فى الاستجابة لتوجيهات الرئيس خلال ساعات بترشيد نفقات التراخيص والخدمات المرورية، وذلك يجب أن يتحول إلى نهج عام فى كل وزارة وجهة تنفيذية بالتخفيف عن المواطن طالما كان ذلك متاحا.
لذا، يجب أن تتحول توجيهات الرئيس إلى برنامج تنفيذى لتخفيف الأعباء يبدأ بحصر الخدمات الحكومية التى ترتفع تكلفتها على المواطنين، ومراجعة الرسوم والمصروفات المرتبطة بها، مع التوسع فى الخدمات الرقمية وتقليل عدد مرات انتقال المواطن بين الجهات الحكومية، وتفعيل خدمات الشباك الواحد فى جميع المنافذ والخدمات الحكومية.
وتوجيهات القيادة السياسية بحسن معاملة المواطن، تعكس حرص الرئيس على دعم المواطن وتخفيف الأعباء عنه، وهو ملف لا يحتاج بالضرورة إلى موارد مالية ضخمة، وإنما يحتاج إلى انضباط إدارى ورقابة حقيقية ومحاسبة المقصرين، المواطن الذى يقضى ساعات للحصول على خدمة، أو يواجه تعقيدات إدارية يمكن إنهاؤها إلكترونيًا، يشعر بأن المشكلة ليست فى نقص الإمكانات وإنما فى طريقة إدارة الخدمة.
كما أن حديث الرئيس عن معالجة المشكلات والتحديات المزمنة يفتح الباب أمام الوزارات والمحافظات لوضع قائمة محددة بالمشكلات الأكثر إلحاحًا فى كل محافظة ومركز وقرية، وتحديد مسئول عن حلها وجدول زمنى للتنفيذ، فالمواطن لا يحتاج إلى سماع عشرات الأرقام عن حجم الإنجازات بقدر ما يريد معرفة متى ستنتهى مشكلة المياه فى منطقته، أو متى تتحسن حالة طريق، أو متى يحصل على خدمة صحية مناسبة، أو متى تنتهى أزمة تراكم القمامة أو الصرف الصحى أو المواصلات.
وفى هذا السياق، يجب أن يكون المحافظون والمسئولون التنفيذيون فى المحافظات فى قلب عملية تخفيف الأعباء، لأن الجزء الأكبر من مشكلات المواطنين يومى ومحلى، ويمكن التعامل معه من خلال قرارات وإجراءات على مستوى الإدارة المحلية، دون انتظار حلول مركزية لكل تفصيلة وكل مشكلة.
ويمتد الأمر إلى الصحة والتعليم والنقل والإسكان والمرافق والكهرباء، وهى القطاعات التى تمثل الاحتكاك المباشر بين الدولة والمواطن، المطلوب هنا ليس فقط زيادة الإنفاق، وإنما رفع كفاءة الخدمات فى هذه القطاعات وتوفيرها، والتأكد من وصول الخدمة إلى مستحقيها بالجودة المطلوبة، وإغلاق الفجوة بين ما يتم الإعلان عنه من مشروعات وما يلمسه المواطن فعليًا على الأرض.
ويظل التعليم أحد أهم الملفات التى تستحق ترجمة فورية لتوجيهات الرئيس، خاصة أن جودة التعليم أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على إعداد أجيال قادرة على التعامل مع سوق العمل والذكاء الاصطناعى والتطور التكنولوجى، وبالتالى فإن تحسين جودة التعليم هو فى حد ذاته أحد أهم أشكال تخفيف الأعباء المستقبلية عن الأسرة المصرية، لأنه يرفع فرص أبنائها فى الحصول على عمل مناسب ويقلل الحاجة إلى الإنفاق الإضافى على الدروس والخدمات التعليمية البديلة، فضلًا عن ضرورة تخفيف الأعباء عن كاهل أولياء الأمور والطلاب، وعدم تحويل أبنائنا الطلاب إلى ضحايا للتجارب التعليمية من وزير إلى آخر، وألا تتحول العملية التعليمية إلى جبل يقل كاهل الأطفال ويرهقهم دون داعى أو وجه استفادة.
كذلك فإن مواجهة ارتفاع الأسعار يجب أن تظل فى مقدمة الأولويات التنفيذية، خاصة أن الرئيس أشار إلى تأثير التطورات الإقليمية وارتفاع أسعار البترول والسلع الأساسية على الأسعار فى مصر، وهنا تبرز أهمية زيادة المعروض من السلع والمنتجات بأسعار مناسبة، وتشديد الرقابة على الأسواق وضبط حلقات التداول، ومنع الممارسات التى تضيف أعباء غير مبررة على المستهلك.
لكن الرسالة الأهم فى اجتماع الرئيس تظل أن استغلال موارد الدولة بكفاءة يمثل أحد مفاتيح تخفيف الأعباء عن المواطن، فكل مورد يتم تعظيم عائده، وكل أصل غير مستغل يتم توظيفه، وكل إنفاق غير ضرورى يتم ترشيده، يمكن أن يساهم فى توسيع قدرة الدولة على تحسين الخدمات ودعم الفئات الأكثر احتياجًا دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
والأهم أن تكون هناك آلية واضحة لقياس النتائج، فنجاح توجيهات الرئيس لا يقاس بعدد الاجتماعات التى عقدت ولا بعدد البيانات التى صدرت، وإنما بما إذا كان المواطن قد لمس تغييرًا حقيقيًا فى سعر الخدمة، وسرعة الحصول عليها وجودتها وطريقة التعامل معه وحل مشكلته من المرة الأولى.
إن تخفيف الأعباء عن المواطن ليس ملفًا لوزارة واحدة، وإنما مسئولية جماعية لكل مؤسسات الدولة، وكلما نجحت الحكومة والمحافظات فى تحويل توجيهات الرئيس إلى قرارات مؤثرة فى حياة المواطنين، أصبح المواطن شريكًا حقيقيًا فى جهود الدولة لبناء المستقبل، وشعر بأن الإصلاح والتنمية لا يدوران فى مستوى الأرقام فقط، وإنما يصلان إلى تفاصيل حياته اليومية، مع دعم الفئات الأكثر احتياجًا وتوجيه الموارد إلى مستحقيها، وتحسين أداء المحليات باعتبار المحافظين والعمد والمشايخ الأقرب إلى المشاكل اليومية للمواطنين.
ويجب التعامل مع المشكلات المزمنة والمتراكمة من خلال حلول حاسمة وجريئة، وهو ما يجب أن يتحول إلى منهج مستمر فى العمل الحكومى، فالمشكلة التى يمكن حلها بإجراء إدارى ينبغى ألا تنتظر قرارًا طويلًا، والمشكلة التى تحتاج إلى تنسيق بين أكثر من جهة يجب أن يكون لها مسئول محدد يتولى إنهاء هذا التنسيق، والمشكلة التى تحتاج إلى موارد يجب تحديد احتياجاتها وأولوياتها بدقة، كما أن جودة التعليم يجب أن تسير بالتوازى مع تحسين الخدمات الصحية، ورفع كفاءة المرافق وتطوير النقل، وحل مشكلات الإسكان وتسهيل الإجراءات الحكومية.