بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

معركة الجغرافيا التي تعيد تشكيل القرن الأفريقي

لم تأتِ التحركات الإثيوبية ضد دبلوماسيين إريتريين ومصريين من فراغ، فقد تزامن هذا التصعيد مع وجود وفد إريتري رفيع المستوى في القاهرة، بما يجعل التوقيت والرسالة الإثيوبية أبعد بكثير من مجرد إجراء دبلوماسي، ويضع التحرك في سياق محاولة واضحة للضغط على القاهرة وأسمرة معًا في واحدة من أكثر لحظات القرن الأفريقي حساسية.
لكن ما قد تكون أديس أبابا لم تضعه في حساباتها هو أن هذا التصعيد  دفع إريتريا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز المجال السياسي، وصولًا إلى معادلة أمنية جديدة على الحدود الإثيوبية، من بينها إمكانية توفير منفذ بحري وخطوط إمداد للمعارضة الإثيوبية عبر إقليمي تيغراي وعفر، بما يفتح جبهة ضغط  قوية  على أديس أبابا.
وإذا ذهبت أسمرة إلى إغلاق مجالها الجوي أمام إثيوبيا، فإن رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية المتجهة إلى أوروبا والشرق الأوسط ستضطر إلى تغيير مساراتها عبر جيبوتي وفوق البحر الأحمر، ثم الدخول إلى المجال الجوي السعودي أو المصري،
بما  يفرض مسارات أطول ويزيد زمن الرحلات والتكاليف التشغيلية، بحسب الوجهة ومسار الطيران البديل.
وهي  كلفة اقتصادية ولوجستية إضافية لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع على خطوط الحركة و الموانئ والنفوذ في المنطقة..
ان إريتريا تواجه الآن أزمة حادة مع إثيوبيا وحلفائها، و الهدف من هذا الضغط هو  الاطاح  بالنظام الإريتري وفتح الطريق أمام إثيوبيا للوصول إلى ميناء عَصَب، بما يمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا طالما سعت إلى استعادته ضمن معركتها على البحر الأحمر.
وفي المقابل، تتحرك أسمرة باتجاه القاهرة، وترسل وفدًا رفيع المستوى إلى مصر لبحث التعاون والقضايا الإقليمية والنقل البحري، وهي خطوة لا يمكن فصلها عن الصراع المتصاعد حول الموانئ والممرات البحرية والنفوذ في القرن الأفريقي.
وفي ظل ما يبدو أنه انتقال إثيوبي من الضغط السياسي إلى ما يشبه الحرب غير المعلنة على القاهرة وأسمرة، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا ستفعل مصر سياسيًا؟ بل ماذا يمكن أن تفعل إذا انتقلت المواجهة إلى البحر الأحمر؟
هنا يبرز خيار تعزيز الوجود المصري في إريتريا، وصولًا إلى إرسال قوات أو وحدات بحرية مصرية، باعتبار ذلك امتدادًا للتعاون السابق بين البلدين، الذي شمل التدريب والتحديث العسكري والتنسيق الاستخباراتي، وليس تحركًا منفصلًا عن مسار بدأ قبل التصعيد الحالي.
ففي مايو 2026، أعلنت مصر رسميًا توقيع اتفاق تعاون في مجال النقل البحري مع إريتريا، وتحدثت عن خط ملاحي يربط الموانئ المصرية والإريترية، كما أكدت القاهرة أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه، وهي عبارة تكتسب اليوم دلالة استراتيجية أكبر مع احتدام الصراع على الموانئ والممرات البحرية من عَصَب إلى باب المندب.
ومن هنا يبرز السيناريو الأكثر حساسية: تعزيز الوجود البحري المصري لتأمين ميناء عَصَب، بالتوازي مع  حصول مصر على  وجود بحري في جزيرة نورا ضمن أرخبيل دهلك الاستراتيجي؛ و إقامة  قاعدة مصرية عسكرية  هناك.
وإذا انتقل هذا السيناريو من مستوى التحليل إلى التنفيذ، فسيعني ذلك دخول معركة البحر الأحمر مرحلة مختلفة تمامًا، وسيكون الهدف احتواء أو إفشال ما يُنظر إليه باعتباره مخططًا للتحالف الإثيوبي–الإماراتي المدعوم من الكيان

، مع توجيه رسالة مباشرة إلى إثيوبيا  بأن القاهرة تملك أوراقًا ميدانية عسكرية ، وليس فقط سياسية، لحماية مصالحها وأمن البحر الأحمر. وكذلك نهر النيل 
وتزداد أهمية هذه الرسالة مع اقتراب السودان من استعادة قدر أكبر من الاستقرار، في ظل الهزائم المتتالية التي يتعرض لها حميدتي 
فمع تضييق الجيش السوداني الخناق على قوات حميدتي في كردفان، تتعرض شبكاته اللوجستية لضغط متزايد، 
فكلما تغير ميزان القوى داخل السودان، تغيرت معه حسابات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لتصبح عَصَب ودهلك وباب المندب أجزاءً من رقعة واحدة تتوحد فوقها حسابات مصر وإريتريا والسودان  .
ولا تكتمل هذه الرقعة دون الصومال فالتنسيق الرباعي  (القاهرة–أسمرة–مقديشو - الخرطوم)  يشكل قوس تطويق جيوسياسي يحاصر الطموحات الإثيوبية في الوصول للبحر الأحمر  
لهذا فالمعركة الحالية  أكبر من مجرد أزمة دبلوماسية بين القاهرة وأديس أبابا أو أسمرة وأديس أبابا؛ إن
ها معركة على من يملك مفاتيح البحر الأحمر، ومن يحدد قواعد الحركة في موانئه وممراته،
أنها  معركة على من يملك مفاتيح الجغرافيا في القرن الأفريقي؛ فمن ينجح في تحويل البحر الأحمر إلى ورقة ضغط، وقطع خطوط خصمه، وتغيير موازين القوى من السودان  إلى باب المندب، هو من سيكتب قواعد اللعبة الجديدة في القرن الأفريقي