بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من يملك السلعة بعد أن يبيعها؟


تخيلوا هذا المشهد..مصدر مصري يشتري سلعة أصلية من مصنع، يدفع ثمنها كاملًا، يحصل على فاتورة رسمية، تنتقل إليه ملكية السلعة قانونًا… ثم يُقال له: لا تستطيع تصدير ما اشتريته إلا إذا وافق المصنع!
السؤال هنا ليس قانونيًا فقط، بل اقتصادي بالدرجة الأولى:
كيف نريد زيادة الصادرات والحصول على الدولار، بينما نضع أمام المصدر بوابة أخرى قد يستطيع طرف خاص أن يغلقها في وجهه؟
العالم لا يحمي العلامة التجارية بهذه الطريقة
مبدأ استنفاد حقوق الملكية الفكرية يقوم، في جوهره، على أن صاحب الحق لا يظل مسيطرًا إلى الأبد على تداول السلعة التي طرحها في السوق بصورة مشروعة؛ وبعد البيع الأول توجد حدود لقدرته على التحكم في إعادة بيع السلعة. وتوضح WIPO أن هذا المبدأ معترف به على نطاق واسع، وإن كانت الدول تختلف في تطبيقه بين الاستنفاد الوطني والإقليمي والدولي.
وفي الهند، ينص قانون العلامات التجارية على أن من حصل على السلعة بصورة قانونية لا يُعد تعامله اللاحق فيها تعديًا لمجرد أن العلامة قد تغير مالكها أو أن السلعة طرحت في السوق بواسطة صاحب العلامة أو بموافقته، مع وجود استثناءات لأسباب مشروعة.
وفي الولايات المتحدة، رسخ القضاء مبدأ First Sale Doctrine، الذي يحد من قدرة صاحب الحق على التحكم في التصرفات اللاحقة في النسخة أو السلعة التي بيعت بصورة قانونية، مع اختلاف التفاصيل بحسب نوع الحق والواقعة.
أما الصين، فقانون العلامات التجارية يميز بوضوح بين السلعة الأصلية والتعدي على العلامة، ويحمي من اشترى السلعة بصورة مشروعة في حالات محددة، بما يؤكد أن حماية العلامة لا تعني منح صاحبها سلطة مطلقة على كل حركة لاحقة للسلعة.
إذن القضية ليست: هل نحمي المصنع؟
بل: هل نحول حماية المصنع إلى حق في التحكم في تصرف المالك الجديد في سلعة أصلية؟
حماية العلامة شيء.. واحتكار التصدير شيء آخر
لا أحد يطالب بالسماح بتصدير السلع المقلدة أو المغشوشة.
ولا أحد يطالب بإلغاء الرقابة على الجودة أو الصحة أو المواصفات أو السلع المقيدة قانونًا.
المطلوب ببساطة:
إذا كانت السلعة أصلية، ومملوكة للمصدر بصورة قانونية، وفاتورتها صحيحة، ومطابقة للمواصفات، ولا يوجد عليها حظر قانوني، فلماذا يحتاج المصدر إلى «إذن» من المصنع لمجرد تصديرها؟
يمكن للدولة أن تتحقق من كل ذلك إلكترونيًا.
الفاتورة الإلكترونية → المصنع → السلعة → المالك → المصدر → الجمارك → التصدير.
هنا تصبح الدولة هي صاحبة الرقابة، وليس المصنع صاحب «حق الفيتو».
الأخطر: أننا ندفع ثمن هذا التعقيد بالدولار
قد يبدو التنازل إجراءً بسيطًا على الورق.
لكنه اقتصاديًا قد يتحول إلى:
رسوم + تأخير + تفاوض + تخزين + تمويل + تكلفة فرصة ضائعة + احتمال فقدان العميل الخارجي.
وهذه كلها تدخل في تكلفة السلعة المصرية وتضعف قدرتها على المنافسة.
وفي بعض الحالات، إذا كان المصنع أجنبيًا أو صاحب علامة دولية، فقد تصبح موافقته أو شروطه تكلفة إضافية على المصدر المصري.
وهنا يجب أن نسأل السؤال الذي لا يجوز تجاهله:
هل الدولة المصرية في وضع يسمح لها بإضافة تكلفة واحدة على صادراتها؟
نحن لا نملك رفاهية خسارة الأسواق.
نحن نحتاج إلى كل دولار.
وكل مصدر يُمنع من تصدير شحنة أصلية، أو يضطر إلى رفع سعرها، أو يفقد عميلًا خارجيًا بسبب إجراء يمكن استبداله بالتحقق الإلكتروني، يعني أن هناك حصيلة تصديرية ضائعة.
وقد تبدو الخسارة صغيرة في كل عملية، لكنها عندما تتكرر على آلاف العمليات تتحول إلى ملايين الدولارات من الفرص التصديرية المهدرة.
لا تجعلوا المصدر المصري يدفع مرتين
المصدر دفع ثمن السلعة.
ثم دفع تكاليف النقل والتخزين والتمويل والتعبئة والشحن والتأمين.
فلماذا يدفع مرة أخرى مقابل حق التصرف في سلعة أصبحت مملوكة له قانونًا؟
إذا كانت الدولة تريد تحرير الصادرات، فعليها أن تزيل كل تكلفة لا تضيف قيمة حقيقية.
المصنع ليس مصلحة جمارك.
والمصنع ليس جهة سيادية.
وحماية العلامة لا تعني احتكار التصدير.
الدولة القوية اقتصاديًا لا تحمي صادراتها بكثرة الأختام والموافقات، وإنما تبني نظامًا رقميًا يعرف السلعة ومصدرها ومالكها ومسارها ويكشف التلاعب دون تعطيل التجارة المشروعة.
المطلوب واضح
إعادة النظر في اشتراط «تنازل المصنع» كشرط عام لتصدير السلع الأصلية التي تم شراؤها بصورة قانونية، وقصر أي موافقة مسبقة على الحالات التي يحددها القانون صراحة لأسباب حقيقية تتعلق بالصحة أو الأمن أو المواصفات أو القيود التصديرية أو حقوق الملكية الفكرية.
أما أن نطلب من المصدر أن يحصل على إذن من البائع لكي يصدر ما أصبح ملكًا له، ثم نتساءل لماذا لا تنمو الصادرات؟
فهنا نكون قد صنعنا بأنفسنا جزءًا من المشكلة.
في دولة تبحث عن الدولار، لا يجوز أن تكون البيروقراطية أغلى من التصدير.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا:
هل نريد أن نزيد صادرات مصر، أم نريد أن نزيد عدد الأبواب التي يجب على المصدر أن يطرقها قبل أن يستطيع تصديرها؟
الفرق بين الدول التي تنمو صادراتها والدول التي تظل تطارد الدولار، ليس دائمًا في قدراتها الإنتاجية فقط؛ بل في قدرتها على إزالة كل تكلفة غير ضرورية تقف بين المنتج المصري والعميل العالمي.