بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خطيب المسجد الحرام يحذر من الاعتداء على مكة

الدكتور فيصل بن جميل
الدكتور فيصل بن جميل غزاوي إمام وخطيب المسجد الحرام

 أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي، المسلمين بتقوى الله عز وجل، والنظر فيما قدمت النفس ومحاسبتها قبل يوم الوعيد، مؤكدًا أن الإنسان بطبيعته يخطئ ويقصر، لكن العبرة بقدرته على الرجوع عن الخطأ والتوبة والاستفادة مما يمر به من مواقف وعبر، حيث جاءت الخطبة التي ألقاها الشيخ اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026، الموافق 19 ربيع الآخر 1448هـ، بالمسجد الحرام، داعية إلى الاتعاظ بأحوال الأمم السابقة وعدم تكرار أخطائهم.
 

الإنسان يخطئ.. لكن لا يتمادى:

 وأوضح خطيب المسجد الحرام أن الإنسان مخلوق ضعيف، وقد جُبل على الخطأ، إذ قد يستميله الهوى وتغلبه الشهوة أو الغضب، فيزين له سوء عمله ويقصر نظره عن عواقب أفعاله.

 وأكد أن الخطأ في حد ذاته ليس هو موطن اللوم، فالإنسان ليس معصومًا من الزلل، وإنما العيب أن يعرف المرء خطأه ثم يصر عليه ولا يحاول إصلاحه.

 وأشار إلى أن شأن المؤمن أن ينهض كلما تعثر، وأن يعود إلى الطريق الصحيح كلما زلت قدمه، بعزم لا ينقطع وإرادة تدفعه إلى تصحيح ما أفسده.

الاعتبار بأحوال من سبقوا:

 وتناول الشيخ فيصل غزاوي أهمية الاعتبار بما وقع لمن سبقوا، موضحًا أن الله سبحانه وتعالى دعا عباده إلى النظر في أحوال الأمم والأشخاص الذين عصوا أمره وتجاوزوا حدوده، حتى يتجنب الإنسان الوقوع في الأخطاء نفسها.

 وبيّن أن القرآن الكريم قص على المسلمين أخبارًا وقصصًا كثيرة، وليس المقصود منها مجرد معرفة أحداث وقعت في الماضي، وإنما استخلاص العبر والدروس والعظات التي تهدي الإنسان إلى الصواب وتحذره من عواقب الانحراف.

 ومن هنا، فإن تدبر قصص القرآن يجعل المسلم أكثر وعيًا بعواقب أفعاله، وأكثر قدرة على مراجعة نفسه قبل أن يقع في الخطأ أو يتمادى فيه.

أصحاب الفيل.. نهاية من أراد انتهاك حرمة البيت:

 واستشهد خطيب المسجد الحرام بقصة أصحاب الفيل، الذين أرادوا الاعتداء على البيت الحرام، فكانت عاقبة أمرهم الهلاك وخيبة السعي.

 وأشار إلى أن أصحاب الفيل مثال واضح على سوء عاقبة من ينتهك حرمات الله، فقد جعل الله كيدهم في تضليل، وأبطل ما أرادوه من الاعتداء على الكعبة المشرفة.

 وقد خلّد القرآن الكريم هذه القصة كاملة في سورة الفيل، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.

 وتؤكد قصة أصحاب الفيل أن العاقبة لا تكون دائمًا وفق ما يخطط له الإنسان، وأن من السنن التي يلفت القرآن إليها أن الظلم والعدوان وانتهاك الحرمات عواقبها وخيمة.

كيف يحاسب الإنسان نفسه؟

 ودعا خطيب المسجد الحرام المسلم إلى أن يجعل محاسبة النفس عادة مستمرة، فينظر فيما صدر عنه من أقوال وأفعال، ولا يكتفي بالنظر إلى أخطاء الآخرين.

 وأوضح أن الإنسان إذا وجد في عمله ما يحمد عليه، فعليه أن يستمر فيه ويزيد منه، أما إذا اكتشف تقصيرًا أو خطأ، فعليه أن يسارع إلى تداركه متى أمكن، وأن يتجنب تكراره مستقبلًا.

 وتقوم محاسبة النفس على خطوات واضحة؛ فإذا جهل الإنسان حكمًا سأل أهل العلم، وإذا زل رجع، وإذا أساء ندم، وإذا ندم أقلع عن الذنب ولم يستمر فيه.

 وهذه المراجعة المستمرة للنفس تساعد المسلم على اكتشاف مواضع الخلل قبل أن تتحول الأخطاء الصغيرة إلى سلوك دائم يصعب التخلص منه.

العاقل يعتبر بما يرى ويسمع:

 وأكد الشيخ فيصل غزاوي أن الإنسان العاقل لا ينتظر أن يقع في الخطأ بنفسه حتى يتعلم، وإنما يعتبر أيضًا بما يراه ويسمعه من أحوال الآخرين.

 فمن رأى آثار الصلاح والخير اقتدى بالصالحين، ومن رأى عواقب العدوان والانحراف ابتعد عن طريق المعتدين، وبذلك يتحول ما يمر به الإنسان في حياته إلى دروس عملية تساعده على اختيار الطريق الصحيح.

 وهذا هو معنى الاعتبار الذي دعا إليه القرآن؛ أن يرى الإنسان في أحداث الحياة ما يعينه على إصلاح نفسه، لا أن يكتفي بمشاهدة الأحداث ثم ينساها دون أن يتغير سلوكه.

الحذر من الغلو والتكفير:

 وفي ختام خطبته، حذر خطيب المسجد الحرام من صور الانحراف في الاعتقاد والسلوك، مشيرًا إلى خطورة الغلو الذي يدفع صاحبه إلى تجاوز حدود الشرع.

 وتناول من صور ذلك ما يتعلق بصرف العبادة لغير الله، وكذلك مسالك الغلاة الذين يتوسعون في تكفير المسلمين وتفسيقهم وتبديعهم دون برهان، وقد يصل الأمر بهم إلى استباحة الدماء والأموال بالظلم والعدوان.

 وأكد أن المسلم مطالب بأن يتوقف عند حدود الشرع، وألا يجعل الأهواء أو الانفعالات سببًا للحكم على الناس بغير علم أو استباحة ما حرّم الله.

هل نتعظ قبل فوات الأوان؟

 وطرح خطيب المسجد الحرام سؤالًا مهمًا أمام المصلين: هل من معتبر بما جرى لمن لم يقدر الله حق قدره، أو بمن سلك طريق الغلو والانحراف؟

 فالاعتبار الحقيقي لا يكون بمجرد معرفة القصص أو سماع المواعظ، وإنما بأن يراجع الإنسان نفسه بعد كل موعظة، ويسأل: ماذا ينبغي أن أغير في حياتي؟ وما الخطأ الذي يجب أن أتوقف عنه؟ وما العمل الصالح الذي ينبغي أن أزيد منه؟

 ومن هنا تأتي أهمية محاسبة النفس؛ لأنها تجعل الإنسان أكثر انتباهًا إلى أفعاله، وتدفعه إلى تصحيح مساره قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه الحسرة.

محاسبة النفس قبل يوم الحساب:

 وتبقى الرسالة الأساسية التي حملتها خطبة المسجد الحرام أن الإنسان ينبغي ألا يؤجل مراجعة نفسه، وألا ينتظر وقوع العواقب حتى يبدأ في التفكير فيما قدم.

 فمن علامات العقل أن يتعلم الإنسان من أخطائه، ومن علامات التوفيق أن يرجع عن الخطأ إذا تبين له، وأن يجعل من قصص السابقين وتجارب الحياة وسيلة لإصلاح نفسه لا مجرد حكايات يسمعها ثم ينساها.

 وفي ختام الخطبة، دعا الشيخ فيصل غزاوي المسلمين إلى الاتعاظ والتفكر، مؤكدًا أن أبواب الاعتبار في الحياة كثيرة، وأن العاقل هو من ينتفع بما يرى ويسمع، فيقتدي بمحاسن الصالحين، ويحذر من أفعال المعتدين والمنحرفين.