واشنطن تضغط على أوروبا لسحب مخزونات الديزل مع تصاعد أزمة الإمدادات
تصاعدت الضغوط الأميركية على الدول الأوروبية للإسهام في تهدئة أزمة الديزل العالمية، مع مطالبة واشنطن بالإفراج عن كميات كبيرة من المخزونات الطارئة، في وقت بدأت فيه دول أوروبية تنسيق مواقفها بشأن إمكانية سحب كميات إضافية من الاحتياطيات لمواجهة نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود.
طلب أميركي بالإفراج عن كميات من الاحتياطيات الأوروبية لتهدئة أسعار الوقود العالمية
وقالت مصادر مطلعة إن الإدارة الأميركية طلبت من ألمانيا وفرنسا الإفراج عن جزء من مخزونات الديزل الطارئة بهدف المساعدة في خفض أسعار الوقود العالمية، مع طرح إمكانية فرض قيود على صادرات الديزل الأميركية في حال عدم تحسن مستويات المعروض.

وبحسب مصادر نقلت عنها وكالة رويترز، طلبت الولايات المتحدة من الاتحاد الأوروبي الإفراج عن نحو 120 مليون برميل من الديزل خلال الأشهر الستة المقبلة، وهو ما يمثل أكثر من 40 في المائة من مخزونات الديزل والغاز أويل الطارئة لدى دول الاتحاد الأوروبي، والتي تبلغ نحو 39 مليون طن وفقا لأحدث البيانات المتاحة من يوروستات.
ويعادل حجم الكميات التي تطالب واشنطن بالإفراج عنها نحو شهر من إجمالي استهلاك الاتحاد الأوروبي من الديزل والغاز أويل، وفقا لحسابات رويترز، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسواق الوقود نتيجة اضطرابات الإمدادات العالمية.
وفي بروكسل، عقدت المفوضية الأوروبية وفرنسا وإيطاليا وآيرلندا وبريطانيا اتصالا لبحث الحاجة المحتملة إلى الإفراج عن مخزونات الديزل، وفقا لمسؤول في الاتحاد الأوروبي، بينما لم تكن ألمانيا ضمن الدول المشاركة في الاتصال رغم كونها وفرنسا من أبرز الدول التي تلقت مطالب مباشرة من واشنطن.
وبالتوازي، طلبت مجموعة تنسيق النفط التابعة للاتحاد الأوروبي من الدول الأعضاء إبلاغها بشأن أي اتصالات مباشرة تلقتها من الولايات المتحدة حول مخزونات الوقود، وذلك تمهيدا لجمع مواقف الدول وصياغة موقف أوروبي مشترك بشأن التعامل مع الأزمة.
وناقشت المفوضية الأوروبية مع المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إمكانية الإفراج عن كميات إضافية من المخزونات، دون اتخاذ قرار نهائي بشأن مطالبة الدول الأعضاء بسحب كميات جديدة من الاحتياطيات.
وتلزم قواعد الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات نفط طارئة تكفي لتغطية 90 يوما على الأقل من صافي الواردات أو 61 يوما من الاستهلاك المحلي، أيهما أكبر، فيما يستوفي الاتحاد الأوروبي هذه المتطلبات على مستوى المخزونات الإجمالية.
تبرز ألمانيا وفرنسا في ملف المخزونات الأوروبية بسبب حجم الاحتياطيات الموجودة لديهما، إذ تمتلك ألمانيا نحو 5.6 مليون طن من الديزل والغاز أويل الطارئ، مقابل نحو 8.2 مليون طن لدى فرنسا، بما يمثل معا نحو 35 في المائة من إجمالي الاحتياطيات الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي وفقا لبيانات يوروستات.
وترى واشنطن أن ألمانيا وفرنسا لم تنفذا بصورة كاملة تعهدات سابقة تتعلق بالإفراج عن مخزونات النفط والمنتجات النفطية الطارئة، وفقا لمصادر مطلعة على المناقشات، فيما سبق للولايات المتحدة أن أثارت هذه المسألة مع وكالة الطاقة الدولية التي تنسق عمليات الإفراج عن المخزونات بين الدول الأعضاء.
ونفت ألمانيا أن تكون وكالة الطاقة الدولية قد طلبت منها سحب احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، في وقت تواصل فيه برلين متابعة تطورات أسواق الطاقة والإمدادات العالمية.
وقال مسؤول في قصر الإليزيه إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يناقش مسألة المخزونات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائهما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع الماضي.
وأوضح المسؤول أن ماكرون سيعقد مؤتمرا عبر الفيديو مع قادة دول مجموعة السبع لبحث ارتفاع أسعار الوقود ومدى توافر المنتجات النفطية المكررة عالميا، إلى جانب بحث سبل تنسيق الإفراج عن الاحتياطيات بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية.
وفي مؤشر على اتساع التحرك الأميركي، قال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إنه ناقش مع نظيره الفرنسي فكرة الإفراج عن المخزونات، وإنه سيطرح المسألة مع مسؤولين وشركاء أوروبيين آخرين خلال اجتماعات مجموعة العشرين في ميلووكي.
وأكد غرير أن واشنطن تسعى إلى استجابة تعاونية من حلفائها الأوروبيين، في إطار جهود الإدارة الأميركية لزيادة إمدادات المنتجات النفطية المكررة وخفض تكاليف الوقود.
وتدرس الإدارة الأميركية في الوقت نفسه خيارات عدة لخفض أسعار الديزل في السوق المحلية، من بينها تقييد صادرات الوقود الأميركية، إلا أن ترمب أشار إلى تراجع حماسه لفكرة حظر الصادرات بسبب المخاطر المحتملة لارتفاع أسعار أنواع أخرى من الوقود.
وحذرت شركات نفط من أن فرض قيود على الصادرات الأميركية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها زيادة أسعار أنواع أخرى من الوقود، بينما قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الإدارة تتوقع صدور إعلانات أوروبية قريبا بشأن إمدادات جديدة من الديزل.
تأتي المطالب الأميركية في وقت تتقلص فيه مصادر الإمدادات العالمية من المنتجات النفطية، إذ أوقفت المصافي الصينية صادرات المنتجات النفطية خلال أكتوبر باستثناء الشحنات المتجهة إلى هونغ كونغ وماكاو، في خطوة تستهدف دعم المخزونات المحلية وسط اضطرابات الإمدادات العالمية.
وتشير تقديرات السوق إلى أن مخزونات الديزل التجارية في الصين تقل بنحو 20 مليون برميل عن المستوى الذي تعتبره السلطات كافيا قبل استئناف الصادرات، بينما تقل مخزونات البنزين بنحو 9 ملايين برميل، ما يزيد احتمالات استمرار القيود على صادرات المنتجات النفطية الصينية.
كما تراجعت إمدادات المنتجات المكررة من الشرق الأوسط نتيجة اضطرابات الحرب، بينما أدت الهجمات على منشآت التكرير الروسية إلى زيادة الضغوط على المعروض العالمي، وهو ما قلص الخيارات المتاحة أمام الدول المستوردة لتعويض أي نقص إضافي في الإمدادات.
يعيد الضغط الأميركي على أوروبا فتح النقاش حول الموازنة بين استخدام المخزونات الاستراتيجية لتهدئة الأسعار في الأجل القصير والحفاظ على مستويات كافية من الاحتياطيات لمواجهة اضطرابات أطول أو أكثر حدة في الإمدادات.
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد اتفقت في مارس على الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من النفط الخام والوقود من المخزونات الطارئة عالميا، على أن توفر الولايات المتحدة 172 مليون برميل، فيما تلتزم دول الاتحاد الأوروبي بتوفير 20 في المائة من إجمالي الكمية.
وفي الأسبوع الماضي، عرضت الولايات المتحدة إقراض شركات الطاقة ما يصل إلى 40 مليون برميل إضافية من احتياطيها الاستراتيجي، فيما تراجعت مخزونات الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي إلى أقل من 284 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1982.
وتواجه أوروبا ضغوطا إضافية بعد خفض اعتمادها على الوقود الروسي وحظر وارداته، بالتزامن مع تراجع طاقتها التكريرية خلال العقدين الماضيين، وهو ما زاد اعتمادها على واردات الديزل، خصوصا من الولايات المتحدة.
وتضع اضطرابات الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط السوق الأوروبية أمام ضغوط إضافية، في وقت ارتفعت فيه أسعار الديزل إلى مستويات قياسية أو قريبة منها في عدد من الأسواق، الأمر الذي ينعكس على تكاليف النقل والزراعة والصناعة ويزيد الضغوط على الحكومات بين الحاجة إلى تهدئة الأسعار والحفاظ على مخزونات طوارئ كافية.